"إبراهيم العريس" يكتب عن الفيلم الفرنسي "ويطلع النهار" بدون أن يشاهده

وينسى الشخصية الرئيسية النسائية تماماً

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


أتصوّر بأنّ الناقد السينمائيّ اللبناني المُخضرم "إبراهيم العريس" سيئ الحظ تماماً، لأنه قبل أقلّ من عامٍ، أو أكثر من تركه "صحيفة الحياة" التي يكتب فيها حالياً، لم يكن يتوقع أبداً بأن يظهر له يوماً خصماً عنيداً يتهمّه علانيةً، وبجرأةٍ "وقحة" لا مثيل لها، بأنه يكتبُ عن أفلامٍ لا يُشاهدها، بل ينبشُ في أرشيفه الورقيّ القديم، ويُلخصّ ما كتبه بعض النقاد، والمُؤرخين، وهم غالباً الفرنسيون : مارسيل مارتان، جورج سادول، كلود بيلي،..ويضيفُ من عنده القليل من المعلومات، والانطباعات الصحيحة، والخاطئة، مُتعمّداً إغفال ذكر مصادره "بدقةٍ" كي لا يعود إليها أحدٌ، ويكتشف آليّات النقل التي يستخدمها .
ولم يخطر في باله أيضاً، بأنه في كلّ مرةٍ يكتبُ فيها عن فيلم ما، سوف يذهب "مهووسٌ" إلى أقرب مكتبة بلدية في باريس، ويستعير الفيلم المذكور كي يشاهده، ويتأكد مرةً بعد أخرى بأنّ "العريس" محترفٌ في الكتابة عن أفلامٍ لا يشاهدها .
يستطيع "إبراهيم العريس" تمويه كتاباته كما يشاء، وهو يمتلك مهارةً عاليةً في هذا الخصوص، ولا أفهم لماذا لا يُوظفها في الكتابة عن الأفلام بعد مُشاهدتها، وهو الدور الجوهريّ للناقد السينمائي، وهنا، أُعيد التنويه، بأنّ نقل، وتلخيص آراء الآخرين عن فيلمٍ ما هي مهمّة صحفيّ لا يمتلك القدرة على الكتابة عن السينما.
سألتُ نفسي يوماً، وما أزال:
ـ لماذا يكتب "إبراهيم العريس" عن أفلامٍ قديمة، رُبما يكون الجواب، بأنه توقف عن مشاهدة الأفلام الجديدة، ولا يكتب عنها بدون مُشاهدتها حذراً من أن ينكشف أمره، ويزول الشكّ عن المُشككين.
ولهذا، يستعينُ بالأفلام القديمة، لأنها ليست في متناول القارئ العربي، ولن يفكر أحدٌ بالبحث عنها، ومُشاهدتها خصيصاً للتحقق مما كتبه "العريس".
وهو يحتفظ في مكتبته بالكثير من الكتب، القواميس، والمجلات(إلا إذا كان يمنحها هبةً للنقاد الجهلة كي يتعلموا منها، النقد طبعاً، وليس النقل) يعود إليها متى يشاء، يفتح صفحاتها بالصدفة، ينتقي فيلماً، ويُلخص ما كُتب عنه.

ويطلع النهار

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

نموذج اليوم من كتابات "العريس" عن أفلامٍ لا يشاهدها، الفيلم الفرنسي"ويطلع النهار/Le jour se lève" لمُخرجه "مارسيل كارنيه" من إنتاج عام 1939.
سوف لن أتوقف كثيراً عند الفقرات الأولى المنقولة، ولن أناقش محتواها :
(في ذلك الزمن كان التعاون بين الأدباء والسينمائيين أضحى امراً طبيعياً، ...هذا المجال التعاون الذي قام في فرنسا وطوال نحو عشر سنوات (بين 1936 و1946) بين الشاعر جاك بريفير والسينمائي مارسيل كارنيه).
ولن أناقش رأياً أعتبره خلاصةً خاطئة :
(هو تعاون أجمع مؤرخو السينما على أنه أثمر بعض أجمل الأفلام في فرنسا في تلك المرحلة، وقحماً في مسيرة كارنيه، كما أنه انعكس إيجاباً على شعر بريفير وكتاباته الأخرى، وهذا التعاون بدأ مع فيلم «جيني» لينتهي مع فيلم «أبواب الليل» وشمل «أطفال الجنة» بين أفلام أخرى. صحيح ان هذا الأخير يظل الأشهر بين تعاون بريفير - كارنيه، لكن الفيلم الأقوى كان «... ويطلع النهار» الذي كتب له السيناريو والحوار جاك بريفير (في تعاون مع جاك نيو) وأخرجه مارسيل كارنيه في العام 1939، عشية الحرب العالمية الثانية).
حيث لا أجد "ويطلع النهار" أقوى أفلام "مارسيل كارنيه"، وأحيلُ هذا الأمر إلى نقادٍ يفهمون في السينما أكثر مني.
ولا أعتقد بأنه:
(
لفترة طويلة من الزمن ظل «... ويطلع النهار» الفيلم - العلامة في تيار سينما الواقعية الشعرية الفرنسية بحسب ما قال المؤرخ اللبناني - الفرنسي كلود بيلي).
وأنا على يقينٍ بأنّ "العريس" لو شاهد الفيلم لما اقتنع بأقوال "كلود بيلي"، أو غيره (إذا كان النقل عنه صحيحاً، ودقيقاً
).
وهنا، أدرج الفقرة كاملةً، وأرجو من القارئ اليقظ تحديد بداية أقوال "كلود بيلي"، ونهايتها ؟
(لفترة طويلة من الزمن ظل «... ويطلع النهار» الفيلم - العلامة في تيار سينما الواقعية الشعرية الفرنسية بحسب ما قال المؤرخ اللبناني - الفرنسي كلود بيلي الذي أضاف ان هذا التيار «غير محدد المعالم» على أية حال، يضم الكثير من نتاجات مخرجين ساروا في ذلك الحين على خط سينما شعبية، يتراوح موضوعها بين إدانة الظلم الاجتماعي، والتعبير عن نوع من القدرية السيكولوجية. وكان من بين هؤلاء المخرجين جان فيغو وجان رينوار وجان غريميون وبيار شينال، وكلهم من الذين صنعوا للسينما الفرنسية مجدها خلال ثلاثينات القرن المنصرم. ولئن كان رينوار اكثرهم شاعرية وقدرة، فإن كارنيه كان الأوفر حظاً من بينهم في الحصول على إعجاب الجمهور. ومن هنا كانت أفلامه ذات شعبية كبيرة، حتى وإن كان التشاؤم الذي طبع نهايات معظمها يتنافى مع مثل ذلك المصير. أو على الأقل خلال السنوات الأولى. اذ لاحقاً، مع تفاقم الأوضاع الاجتماعية وخيبة أمل الجماهير الشعبية في حكم تقدمي حكم باسمها (الجبهة الشعبية) وانتشار النازية وتجمع سحب الحرب واكتشاف الفرنسيين هشاشة بلدهم، كل هذا أدى الى جعل تشاؤمية كارنيه تبدو تنبؤية وصحيحة. وفي هذا الإطار لعب «... ويطلع النهار» دوراً أساسياً.)
وأسأل القارئ هنا :
ـ هل كانت تلك الفقرة الطويلة من كتابة "العريس"، أم تلخيصاً لما كتبه "كلود بيلي" عن الفيلم ؟
وحتى الآن، لا تشير تلك السطور فيما إذا كان "العريس" قد شاهد الفيلم، أم لا، ولكن، حالما يسرد أحداث الفيلم، يكشف بأنه لم يشاهده، ويبدو بأنه يتحدث عن فيلمٍ مُشابه، ينسى الكثير من التفاصيل، ويرتكب أخطاء فظيعة تطال الحكاية، ويمنح الشخصيات أبعاداً درامية مُناقضة، وتتغير الأحداث، وتتبدل، وتتحول شخصياتٍ طيبة إلى شريرة (كما الحال مع الفتاة البلجيكية الطيبة التي حوّلها "العريس" إلى "متشردة أفاقة" في فيلم "مسيو فيردو" لـ"شابلن")، وتختفي شخصيات رئيسية، ويخلطها مع أخرى (كما الحال في فيلم "ويطلع النهار").
دعونا نقرأ أحداث الفيلم كما كتبها "العريس"، ومن ثمّ أدعو القارئ الفضولي لمُشاهدة الفيلم، أو البحث عن ملخصاته في صفحات الأنترنت(والتركيز بالذات على شخصية "فرانسواز" التي نسيها "العريس" تماماً في سرده لأحداث الفيلم، واستبدلها بشخصية "كلارا"، بينما هما شخصيتان مختلفتان)، أو قراءة التوضيحات بناءً على مشاهدتي للفيلم نفسه.
يكتب "العريس":
(يبدأ الفيلم في بناية عادية تقع على ساحة في إحدى الضواحي الباريسية. وفي الطابق السادس في تلك البناية، يدور صراع بين رجلين يقتتلان. وفجأة نسمع صوت طلق ناري، ويقتل واحد من الرجلين، أما الآخر - القاتل - فإنه سيبقى محاصراً في الشقة حتى الصباح، متذكراً في لعبة عودة سينمائية الى الوراء، جملة الأحداث التي أوصلته الى هنا، وإلى ان يكون قاتلاً على ذلك النحو. وما يتذكره من أحداث، على هذه الشاكلة، هو ما يشكل متن الفيلم ومساره الأساسي، قبل نهايته التي تحل مع طلوع الفجر، علماً أن رجال الشرطة كانوا يحاصرون البناية طوال الليلة في انتظار ظرف يمكنهم من اعتقال ذلك القاتل. فما الذي يتذكره هذا الأخير في جلسته المغلقة تلك، هو المطارد وسط أجواء ومناخات يصفها جورج سادول بأنها «بروليتارية»؟).
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

ليس لديّ أيّ تعليق حول هذه الفقرة غير أنّ البناية التي تظهر في الساحة ليست عادية، وهي أكثر ارتفاعاً من كلّ البنايات المُحيطة بها، تفصيلةٌ لا يمكن تجاهلها في ديكور الفيلم.
ومن شاهد الفيلم(أو سوف أشاهده)، سوف يلاحظ بأن البناء السينمائي اعتمد على أسلوب العودة إلى الماضي ثلاث مراتٍ بهدف توضيح أسباب الجريمة، وسرد الحكاية نفسها.
حسناً، لن أتوقف عند تلك التفصيلات الصغيرة الجزئية موجهاً الانتباه إلى المفاجأة التي سوف تظهر في الفقرة التالية، وتكشف بأنّ "العريس" لم يشاهد الفيلم:
(انه عامل في مصنع تربى يتيماً تحت عهدة وزارة الشؤون الاجتماعية، وهو كان عاشقاً للحسناء، كلارا، التي كانت يتيمة مثله في عهدة تلك الوزارة نفسها... لكنه ذات يوم يكتشف مصادفة ان الشرير فالنتين أوقع كلارا في براثنه وأن هذه قد أذعنت له. لذا يحاول بطلنا (فرانسوا) جهده ان يخلص حبيبته من قبضة هذا الشرير الذي لا يحب الفتاة بل يستغلها أبشع استغلال... ويدور صراع بين الاثنين بالتدريج، حتى يتجابها اخيراً في تلك الشقة ويتمكن فرانسوا من تسديد رصاصة الى خصمه ترديه قتيلاً، واجداً نفسه مطارداً في انتظار رجال الشرطة... وعند الفجر، حيث يضيق الخناق عليه، ويهرع رفاقه في العمل الى محاولة إقناعه بالاستسلام طالما ان القضاء سيجد له ظروفاً مخففة، يفضل فرانسوا ان ينتحر على ان يستسلم. وهكذا ينتحر لتصبح ثمة جثتان متجابهتان، جثة الطيب وجثة الشرير).
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

لم يكن "فرانسوا" عشيقاً للحسناء "كلارا"، فقد كان يحبّ "فرانسواز" بائعة الورد التي التقاها بداية الفيلم في المصنع الذي يعمل فيه، وارتبط معها بعلاقة حبٍّ عذرية لا تخلو من بعض القبلات (وقبل أن يتعرّف ـ فيما بعد ـ على "كلارا" الأقلّ حُسناُ، وشباباً من "فرانسواز").
بينما يتعرّف على "كلارا" ـ مُساعدة مدرب الكلاب "فلانتين" ـ في أحد الملاهي الشعبية، ويرتبط معها بعلاقةٍ جسدية بدون أن يؤكد عليها الفيلم، والطريف، بأنّ كلّ واحدةٍ منهما تعرف علاقته بالأخرى، وتتفهمها، ولن أطيل في تفسير سلوكيات الشخصيات الثلاثة : فرانسوا، فرنسواز، وكلارا.
ولكن، أرجو الانتباه...
"كلارا" ليست يتيمة الأبوين في عهدة الوزارة نفسها، ولكن "فرانسواز" هي اليتيمة التي تربت برعاية "المُساعدة الاجتماعية"/دار الأيتام(وليس وزارة الشؤون الإجتماعية).
ولم يكتشف "فرانسوا" مصادفةً بأنّ الشرير "فالنتين" أوقع "كلارا"(أو "فرانسواز") في براثنه. والصحيح، بعد سهرة غير مُكتملة في بيت "فرانسواز"، كانت مرتبطةً بموعدٍ كما تقول، ويقرر "فرانسوا" متابعتها، ويجدها تدخل إلى أحد الملاهي الشعبية، هناك تتحمّس كثيراً لفقرة مدرب الكلاب، الذي تتركه مساعدته "كلارا" في وسط الفقرة، وتتوّجه نحو البار حيث يجلس "فرانسوا"، وبعد محادثة قصيرة، تُعبّر له عن إعجابها به، فيما تذهب "فرانسواز" لمُلاقاة مدرب الكلاب في كواليس المسرح، وسرعان ما يعود الاثنان معاً، وتبدو العلاقة بينهما مُلتبسة، ومن هنا تبدأ المُواجهة بين الرجلين مرتكزة على الغيرة، وخاصةً من طرف "فالنتين" الذي يحاول دائماً استفزاز "فرانسوا".
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

يحتاج سيناريو الفيلم إلى تحليلٍ دقيق لتفسير العلاقة الرباعية التي تؤدي في النهاية إلى مقتل "فالانتين"، انتحار "فرانسوا"، ومرض "فرانسواز"، وهذيانها(وهو ليس هدف هذه القراءة).
ومن هنا، لا أعتقد أبداً بأنّ "ويطلع النهار" هو أفضل أفلام "مارسيل كارنيه"، والفيلم العلامة في تاريخ الواقعية الشعرية.
ومن ثمّ، لم يكن "فالانتين" شريراً أبداً، كان رجلاً ضعيفاً (ظهر ذلك في مشهد اللقاء مع "فرانسوا" في المقهى)، مُتردداً (مشهد المُواجهة الأخيرة مع "فرانسوا")، ولم يُوقع "كلارا" ـ ولا "فرانسواز" ـ في براثنه، إنه رجلٌ غيورٌ مثل أيّ رجلٍ يتعلقُ بامرأةٍ، وتذهب إلى غيره.
ويبدو بأن "إبراهيم العريس" يُوزع صفات الخير، والشرّ على الشخصيات كما يحلو له (هذا ما فعله بالضبط مع بعض شخصيات فيلم "مسيو فيردو" لـ"شارلي شابلن")، حيث لا يحاول "فرانسوا" أبداً تخليص "كلارا" من قبضة الشرير "فالانتين"، وإذا كان يقصدها، فهي التي تركته بمحض إرادتها، ولم يهتمّ بالأمر مطلقاً، كلّ ما يهمّه الشابة "فرانسواز"، وإذا كانت هي المقصودة، فرُبما أخطأ "العريس" في الاسم، حيث كانت معجبة به، وهي التي ذهبت ليلاً لمُلاقاته في الملهى، و"فرانسوا" لا يُعير الأمر اهتماماً، لأنّ "فرانسواز" تُصرّح بحبها له في أكثر من مشهدٍ، وقبلة في الفيلم.
ولا أفهم من أين استنتج "العريس" بأنّ "فالانتين" لا يحبها، بل يستغلها أبشع استغلال (أياً كان القصد، كلارا، أو فرانسواز).
إذا كان يتحدث عن "كلارا" مساعدة "فالانتين"، فلا يوجد في الفيلم أيّ استغلالٍ بين الطرفين، هي نهاية علاقةٍ بينهما لا أكثر، ولا أقلّ، أما إذا كان المقصود بـ"فرانسواز"، فهي التي تصرّح لـ"فرانسوا" بأنها معجبة بـ"فالانتين" لأنه رجلٌ طيبٌ يجلب لها الهدايا (رُبما تعتبره بمثابة أبيها المُفتقد).
أين الاستغلال البشع في الحالتين ؟
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

وبما أن "إبراهيم العريس" لم يشاهد الفيلم، فقد ارتكب أخطاء فظيعة في تفسير الشخصيات، حيث جعل "فالانتين" شريراً، وهو لم يكن أبداً بهذا المعنى، بينما منح "فرانسوا" صفات الطيبة، وهو الذي يمكن اعتباره شريراً، لأنه، ببساطة، القاتل الذي تخير أن يُنهي حياته انتحاراً.
ومن المفيد توضيح هذا الأمر أكثر، فقد جاء "فالانتاين" إلى غرفة "فرانسوا"، وبعد نقاشٍ بينهما أخرج مسدسه، ووضعه على الطاولة، واعترفَ بأنه فكر بقتله، وهذا يعني، بأنه لم ينفذ فكرته، وليس شريراً حقاً كما يصفه "العريس"، وكانت خلاصة ذلك المشهد بأن "فرانسوا" هو الذي أمسك المسدس، وقتل "فالانتين".
من هو الشرير إذاً ؟
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

ولم ينتبه "إبراهيم العريس"(لأنه لم يشاهد الفيلم) بأنّ القتيل يضع يده على بطنه، يتوجه نحو باب الغرفة، يفتحه، ثم يغلقه (هل يتصرف شخصٌ أصيب برصاصة بهذه الطريقة ؟)
وإذا أضفنا جوانب ملتبسة عن حبّ "فرانسوا" للشابة "فرانسواز"، وعلاقته في نفس الوقت مع "كلارا"، وتفهم المرأتين لتلك العلاقة في نفس الوقت ؟
ومع ذلك، يُشير "العريس" بأنه أفضل أفلام "مارسيل كارنيه" وواحدٌ من علامات الواقعية الشعرية.
ومن ثمّ، لم أفهم المقصود بـ"جثتين متجابهتين"، لأنّ رجال الإسعاف، والشرطة نقلوا جثة القتيل "فالانتين" في بداية الفيلم، بينما انتحر "فرانسوا" مع مطلع النهار، وكان في الغرفة بمفرده قبل أن يتمكن أحد أفراد الشرطة من الوصول إلى النافذة، وإلقاء غاز منوّم، وينتهي الفيلم.
(
والحال ان نهاية "ويطلع النهار" المأسوية التي كان صانعو الفيلم أول الأمر في خشية من ان تؤثر سلباً في تفاعل الجمهور معه، كانت هي التي جذبت الجمهور إليه اكثر فأكثر، وذلك - بحسب تحليل المؤرخ مارك فيرو - لأن جمهور السينما في ذلك الحين كان يفضل اعتبار السينما مشجباً يعلّق عليه مخاوفه في نوع من التطهير «الكاتارسيس»، طالما ان الوضع العام لا يدفع في اتجاه اي أمل.
غير ان «... ويطلع النهار» لم يكن فيلم موضوع او نهاية قاتمة وحسب، بل كان فيلم تجديد فني أيضاً، اذ لا يمكن أحداً ان ينسى حذق لعبة «العودة الى الماضي» فيه، ولا الديكور الرائع والشاعري الذي صممه له ألكسندر تراونر، مقترباً فيه من أجواء ديكورات السينما التعبيرية الألمانية، والتصوير الليلي الذي وظف لعبة الظل والنور توظيفاً درامياً وسيكولوجياً لافتاً
).
مع هذه الفقرة، سوف أترك "إبراهيم العريس" يستمتعُ بتفسيرات "مارك فيرو" بانتحار "فرانسوا"، وكنت أتمنى بأن أستمتع برأيّه الخاصّ، وأتركه أيضاً يبتهجُ بالتجديد الفني، وحذق لعبة "العودة إلى الماضي"، والتي أجدها في المرات الثلاث مُفتعلة، وأوافق صاحب النصّ الأصلي الذي نقل عنه "إبراهيم العريس" فيما يتعلق بالديكور الذي اقترب من أجواء ديكورات السينما التعبيرية الألمانية، ....
(فإذا اضفنا الى هذا تمثيل جان غابات (فرانسوا) وجول بيري (فالنتين) وبخاصة آرليتي (كلارا) يمكننا ان نفهم سر نجاح هذا الفيلم الذي كان، في جانب منه، فيلماً على الطريقة الأميركية).
وسوف أنهي هذه القراءة بخطأ طريفٍ ارتكبه "العريس"، وأدعوه حقاً لمُشاهدة الفيلم كي يضحك على نفسه، فهو بالإضافة إلى سردٍ خاطئٍ لا علاقة له بالأحداث الحقيقية للفيلم، نسي "فرانسواز" تماماً، وهي الشخصية الأهمّ في الأحداث، وبدونها لما تحقق الفيلم أصلاً، وهو نسيانٌ لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ "إبراهيم العريس" كتب عن فيلم (ويطلع النهار) بدون أن يُشاهده.


الأربعاء ٠٨، كانون أول،٢٠١٠