نموذج اليوم من كتابات "إبراهيم العريس" عن فيلم لم يُشاهده(وقد تبيّن لنا سابقاً بأنه ليس الفيلم الوحيد)، هو "مسيو فيردو" لمُخرجه "شارلي شابلن" (صحيفة "الحياة"، الخميس 2 سبتمبر 2010) .
بدايةً، سوف أتغاضى عن القدرة البشرية الخارقة التي تجعله يتذكر حرفياً ما قاله الباحث الاستراتيجي، والعسكري الألماني "كلاوزفيتز" :
(ان الحرب انما هي استمرار للسياسة، انما بوسائل أخرى).
ومن ثم يربطها بأقوالٍ ينسبها إلى السيد "فيردو"، الشخصية المُحورية في الفيلم:
(كان يرى أن الجريمة انما هي استمرار للأعمال وإنما بوسائل أخرى).
هذه الجملة التي يضعها بين أقواسٍ، يقولها السيد "فيردو" في الفيلم رداً على سؤال صحفيّ زاره في الزنزانة قبل إعدامه.
وسوف أتغاضى أيضاً عن وصف "العريس" بأنّ هذا الفيلم
(واحد من أكثر أفلامه سوداوية و«واقعية» في الوقت نفسه).
ويضيف أقوالاً أخرى لـ "شابلن"، ويضعها بين أقواس :
(ان فردو وجرائمه نتاج خالص من نتاجات زمننا. حيث ان شخصيات من هذا النوع هي الشخصيات التي تتمخض عنها الكوارث الكبيرة)
وهذا يعني، بأنها منقولة حرفياً من مصدرٍ ما يتعمّد "العريس" إغفاله، وهي مُمارسةٌ تطبعُ كلّ كتاباته.
(نعرف بالطبع ان شابلن، الذي كتب سيناريو الفيلم بنفسه وأخرجه ومثله وأنتجه في آن معا، انما بناه انطلاقاً من فكرة همسها في أذنه يوماً صديقه وزميله اورسون ويلز. وويلز جاء بالفكرة من حكاية مجرم فرنسي شهير، نشط في تلك الآونة وقتل عدداً من النساء قبل أن يقبض عليه ويعدم في نهاية الأمر).
بالنسبة لهذه الفقرة، هناك احتمالان:
ـ الأول : كان "العريس" بصحبة الاثنيّن، وشاهد "أورسون ويلز" يهمسُ في إذن "شارلي شابلن".
"هيه، شارلي، عندي ليك حتة فكرة فيلم هايلة ما حصلتش، بس ما تقولش لحد....
ـ الثاني: المنطقيّ طبعاً، والبعيد عن الهزار (لو كان "العريس" معهما، لكنا ترّحمنا على روح الثلاثة معاً)، هي معرفة هذه "المعلومة" من مصدرٍ ما (بالنسبة لي، عرفتها من مشاهدتي للمُلحقات الفيلميّة التي يتضمّنها الـ د. ف. د)، وهذا يعني، بأنّ "العريس" ما يزال يترجمُ، ويلخصُ من نفس المصدر المجهول، ولكنه في لحظةٍ ما يكشف عن كاتبها على الأقلّ، عندما يشير إلى ما كتبه الناقد السينمائي الفرنسي "مارسيل مارتان" .
(رأى فيه الناقد الفرنسي مارسيل مارتان في نهاية الأمر «تعبيراً عن موقف شابلن نفسه من النساء»، في معنى أن شابلن عبّر من خلال إغواء فردو للنساء في الفيلم ثم الإقدام على قتلهن للاستيلاء على ثرواتهن، نوعاً من اشارة شابلن الى شيء من سيرة حياته وتحديداً، الى علاقته المضطربة بالنساء).
وسوف يلاحظ القارئ المُتمهل بأنّ "العريس" لا يقدم تفسيراته من خلال الفيلم نفسه، ولكن، أقوال "مارسيل مارتان".
وفي موضوع سابقٍ بينتُ بأنّه كتب عن فيلم "اليتيمتان" لغريفيث بدون أن يشاهده، وكتبتُ يومها :
ـ للكتابة عن فيلمٍ ما، هل يحتاج ناقدٌ سينمائيّ كبيرٌ، ومخضرمٌ إلى اقتباس، واستعارة عبارات ناقدٍ آخر مهما كان كبيراً، ومعروفاً في بلادنا .
ومع احترامي لرأيّ "مارسيل مارتان"، من المُفترض في زاويةٍ يومية، أسبوعية، شهرية، شيطانية، جهنمية،.. أن يكتب "العريس"، أو غيره، تحليله، ويتحاشى الاعتماد على الآخرين.
ما الذي يمنعه من كتابة وجهة نظره الخاصة عن علاقة "مسيو فيردو" مع النساء، فربما تكون وجهة نظر "مارسيل مارتان" خاطئة، وأجدها خاطئة تماماً(إذا كانت الترجمة عنه دقيقة، وصحيحة ؟)، حيث تكشف أحداث الفيلم عن علاقة حبٍ نادرة بين السيد "فيردو"، وزوجته العاجزة، وابنه، وكلّ أفعاله الاحتيالية، والإجرامية من أجل تحقيق سعادتهما، فإذا كانت وجهة النظر تلك صحيحة (يتبناها "العريس" بدون مشاهدة الفيلم، أو ربما شاهده منذ ربع قرنٍ من الزمان)، لوجدنا "مسيو فيردو" يكره كلّ النساء، بما فيها زوجته.
وإذا تغاضيتُ عن كلّ الآراء المُقتبسة، والمنقولة من الناقد الفلاني، والعلاني (والتي يمكن أن يُبررها أيّ متشككٍ، ولا يعتبرها أدلةً حقيقية، ودامغة عن كتابته بدون مشاهدة الفيلم)، فإن تلخيص "إبراهيم العريس" لفيلم "مسيو فيردو"، ومقارنته مع أحداث الفيلم نفسها، تثبتُ بأنه لم يشاهده، وكتب عنه نقلاً من آخرين، وفي عملية النقل هذه من المصدر المجهول (حتى الآن) إلى إحدى زواياه اليومية في صحيفة "الحياة"، توسّعت تفاصيل أحداث غير موجودة في الفيلم، ولكنها حدثت في الماضي(لم يقدمها الفيلم)، وتقلصت أخرى، اختفت، تبدلت، أو تحولت، وأصبح الملخص لا علاقة له بأحداث الفيلم الحقيقية.
يكتب "العريس":
(«مسيو فردو» ينطلق من حادثة حقيقية، متعددة السمات، حدثت في فرنسا، ليقدم لنا بطله فردو، وكان في الأصل أمين صندوق، وأباً طيباً وزوجاً مخلصاً... وكان يمكنه أن يواصل حياته على ذلك النحو الشريف الهادئ، لولا الكساد الاقتصادي الذي أوصله الى مأزق حقيقي، فلم ير بداً من سلوك درب الإجرام بطريقة مبتكرة).
في الفيلم، لم يحوّله الكساد الاقتصادي إلى مجرم، ولكن، بالتحديد، لأنّ المصرف الذي كان يعمل فيه تخلى عن خدماته، وهو سبب فعلي، وحقيقيّ، لا يحتمل التعميم.
ويكمل "العريس":
(اعتمد على وسامته ولباقته ولطفه اللامتناهي، لكي يوقع في حبائله ارامل وعوانس تمتلك كل واحدة منهن بعض مال يخيل اليه أنها لا تحتاجه وأن من حقه هو امتلاكه... وهكذا، يغير تكتيكاته في كل مرة، ويغوي أولئك النساء، ثم يقتل كل واحدة منهن تباعاً بعد أن يستولي على أموالها... محولاً جزءاً من ذلك المال الى عائلته التي لا تعرف شيئاً عن ممارساته. وفي نهاية الأمر يكون فردو قد أغوى 12 امرأة وأجهز عليهن بعدما حصل على الأموال...)
هذه الفقرة تُوحي بأنها جزءٌ من الأحداث، بينما لا تظهر في الفيلم أبداً، الذي يبدأ ـ بعودةٍ مبتكرة إلى الماضي ـ مع الضحية الثالثة عشرة، أما المعلومات التي جاءت في ملخص "العريس"، يتوّجب على المتفرج الانتظار حتى منتصف الفيلم تقريباً كي يسمعها على لسان أحد المُحققين بعد أن بدأت الشبهات تحوم حول السيد "فيردو"، والبدء بمُلاحقته، ومراقبته.
يكمل "العريس":
(يكون العمر قد تقدم به بعض الشيء عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، يبدأ إخفاقه في السيطرة عليه).
ومن المفترض أيضاً بأن تأتي هذه الفقرة في نهاية الفيلم عندما تنهار الأسواق المالية، ويتعرض مثل غيره إلى الإفلاس.
(إذ تباعاً يفشل ثلاث مرات في تحقيق غايته، مرة مع سيدة ثرية تعرف جيداً كيف تدافع عن نفسها. ومرة ثانية مع امرأة قوية لا يمكن قهرها... ومرة ثالثة مع متشردة أفاقة لا يتمكن منها. وهكذا يشعر صاحبنا بأنه لم يعد قادراً على ممارسة «فنه الجميل» هذا، فيقرر التقاعد، هانئ العيش في بيت جميل ذي حديقة ساحرة، ولكن هنا بالتحديد تتمكن الشرطة من القبض عليه ويُحاكم ويُعدم).
هذه الفقرة بالتحديد، تكشف بأنّ "العريس" تخيل الفيلم كما قرأ عنه، حيث تتوالى الأحداث في الفيلم على العكس تماماً مما كتبه:

* الضحية الأولى في الفيلم :
(بعد 12 ضحية في مسيرة السيد "فيردو" الإجرامية، والتي لا يُظهرها الفيلم أبداً).
ـ يبدأ الفيلم مع الضحية الثالثة عشرة، "ثلما" إحدى زوجاته، والتي لا تظهرها الأحداث، ولكن، نعرف من عائلتها بأنها سافرت إلى باريس، وتزوجت من "هنري فيردو"، ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخبارها بعد أن سحبت مدخراتها من المصرف.
في المشهد اللاحق، نشاهد السيد "فيردو" في حديقة منزله بجنوب فرنسا، يُقلم النباتات، ونفهم بأنه تخلص من جثتها بإحراقها في موقد النفايات.

* الضحية الثانية في الفيلم :
ـ يحتاج إلى مبلغ من المال، يتوجه إلى بيت "ليديا" إحدى زوجاته، يقتلها بدون أن يُظهر"شابلن" مشهد القتل.
ـ يذهب إلى بيته، يلتقي مع زوجته "مونا" العاجزة التي تتحرك عن طريق كرسي متحرك، وابنه "بيتر" .
إذاً في المرتيّن لم يفشل.
ـ يحتاج إلى مبلغٍ من المال، يذهب إلى بيت "أنابيلا" إحدى زوجاته ، ويفشل في قتلها بسبب الخادمة التي حطمت بالخطأ زجاجة السم، وكي تخفي رعونتها، تستبدلها بزجاجةٍ مشابهة تحتوي على مادةٍ لتغذية الشعر.
وعندما يتنزهان في قاربٍ صغير وسط بحيرة، ويفشل أيضاً في قتلها بسبب مواقف كوميدية متتالية، حتى أنه عندما يقع في الماء تنقذه "أنابيلا" نفسها.
ـ في مشاهد أخرى يريد أن يجرب السم الذي تعلم طريقة تحضيره من صديقه الصيدلي، والذي لا يترك أيّ أثر في الجثة بعد تشريحها، ويوحي بأنّ سبب الوفاة انقباض في عضلات القلب، وتأتي الفرصة عندما يكتشف أمره المفتش "مورو"، وهو الوحيد الذي يموت بتأثير السم.
ـ يفشل زواجه من السيدة "غروناي" بسبب حضور زوجته "أنابيلا" مراسم الاحتفال، وينكشف أمره، وتبدأ التحقيقات.
إذاً، وعلى عكس ما كتبه "العريس"، لم يفشل السيد "فيردو" في قتلها، لأنه لم تتمّ مراسم الزواج، ولم يحاول قتلها أصلاً .
فيما يخصّ الضحية الثالثة التي أشار إليها "العريس" مع متشردة أفاقة لا يتمكن منها، دعونا نتعرف على هذه "المتشردة الأفاقة" ـ كما يصفها "العريس" في ملخصه ـ :
فتاة بلجيكية شابة يصادفها "السيد فيردو" في ليلةٍ ماطرة، ويفكر بأن يُجرب قتلها بالسمّ الذي تعلم تركيبه من صديقه الصيدليّ، يقودها إلى بيته، ويعرف بأنها خرجت لتوّها من السجن بعد أن قضت ثلاثة أشهر بسبب تهمتها بالسرقة، تحكي له قصة حبها لزوجها الذي ذهب إلى الحرب، وعاد مشلولاً، وكان عليها الاعتناء به، يتذكر زوجته المُقعدة، وقبل أن تحتسي الفتاة كأس النبيذ المسموم، يمنعها بحجة احتوائه على قطعةٍ من الفلين تُفسد طعمه، ويطلب منها العودة إلى فندقها، ويمنحها مبلغاً من المال.
ويتكرر اللقاء معها صدفةً في أحد شوارع باريس، ويزوّدها ببعض المال أيضاً، وفي المرة الثالثة، يلتقي بها بعد أن أفلس، وفقد زوجته، وابنه، فتدعوه إلى أحد المطاعم، وهناك يتعرّف عليه بعض أفراد عائلة إحدى زوجاته"ثلما"(التي عرفنا في بداية الفيلم بأنه قتلها، وأحرق جثتها في موقد النفايات في حديقة المنزل)، وبنباهةٍ، يشعر بأن نهايته قد اقتربت، وهو الذي يسهلُ مهمة رجال الشرطة، لا يهرب، ولكن، قبل القبض عليه، يحثُ الفتاة على مغادرة المطعم كي لا يُورطها معه، أو يضعها في موقف حرج، ويعود إلى المطعم يشارك في الفرجة على ما يحدث، حتى يصبح وجهاً لوجه أمام أحد رجال الشرطة، وفي مشهدٍ لاحق، نرى الفتاة جالسة في المحكمة متعاطفة، ومتأثرة.
وليس صحيحاً أيضاً بأنه (يشعر صاحبنا بأنه لم يعد قادراً على ممارسة «فنه الجميل» هذا، فيقرر التقاعد، هانئ العيش في بيت جميل ذي حديقة ساحرة، ولكن هنا بالتحديد تتمكن الشرطة من القبض عليه ويُحاكم ويُعدم).
في أحداث الفيلم، تنهار الأسهم، يعمّ الهلع السوق، تخفق البنوك، تندلع أعمال الشغب، ويتعرض السيد "فيردو" إلى الإفلاس، وتعيش أوروبا في أزمة .
ولكنه يبقى حراً طليقاً، مُحبطاً، ويائساً بعد فقدانه لزوجته الحقيقية "مونا" التي يحبها، وابنه، حتى تعثر عليه عائلة السيدة "ثلما" (تلك التي عرفنا بأنه قتلها، وأحرق جثتها في موقد النفايات) في أحد المطاعم بصحبة الفتاة البلجيكية (التي يصفها "العريس" بأنها متشردة أفاقة) التي تغيّرت حياتها بعد علاقتها مع تاجر ذخيرة، لا يهرب، وينتظر أن تقبض الشرطة عليه، وفي السجن يستقبل الموت بكلّ رضا، وقناعة.
يكملُ العريس "منقولته" :
(اللافت هنا ان أسلوب فردو في الدفاع عن نفسه أمام المحكمة جاء قوياًً في ادانته لمجتمع التفاوت الطبقي، وكأن شابلن أراد أن يرى في الجريمة - مهما كان شرها وحجمها - وسيلة للتنديد بهذا المجتمع).
قبل إعلان الحكم عليه بالإعدام، ينهض السيد "فيردو"، ويلقي كلمةً مُقتضبة، يشيرُ فيها إلى الأنظمة التي تجعل من قاتل نساء مجرماً، بينما تضفي البطولات العظمى على من يستخدم أسلحة الدمار الشامل ضدّ شعب آخر، وهو يقصد الحروب التي تورط فيها "هتلر"، و"موسوليني".
السيد "فيردو" إذاً لا يُدين "مجتمع التفاوت الطبقي"، خاصةً، وأنه يرتكب جرائمه الشنيعة كي يعيش حياةً مترفة.
ويعود "العريس" إلى النقاد من جديد، وكأنه لا يمتلكُ أيّ وجهة نظر، وهي إشارة إضافية بأنه ينقل عنهم.
(ومهما كان الرأيّ في أخلاقيات هذا الفيلم...).
يعني رأيه مش مهم، أو لا رأيّ له لأنه لم يشاهد الفيلم.
(فإن كثراً من النقاد رأوا فيه جوانب فنية تفوّق فيها شابلن على نفسه، كممثل وأيضاً كمخرج. ويرى الناقد والمؤرخ الفرنسي جورج سادول، الذي كان من كبار المدافعين عن هذا الفيلم منذ البداية، أن في «مسيو فردو» مشاهد جديرة بأن تدخل تاريخ السينما من باب واسع..).
هذه كلها آراء المُؤرخ "جورج سادول"، وقد توّضح لي بأنّ "العريس" ينقل عنه كثيراً، وخاصةً من قاموسه الشهير، ولو كان "سادول" على قيد الحياة، لطلب منه "قضائياً" بأن يحول له نصف مرتبه الشهري الذي يتقاضاه من صحيفة "الحياة"، إن لم يكن ثلثيّه، ويترك له بعض "الفكة" بقشيش لقاء مجهوده في التحرير.
(اما تشارلي شابلن (1889 - 1977) نفسه فكان ينظر الى فيلمه هذا على أنه «كوميديا الجرائم» وذلك ما كانه عنوانه الفرعي على أي حال... ).
وعلى أي حال أيضاً، لم يكن "كوميديا الجرائم" عنواناً فرعياً، ولم يظهر في ملصقات الفيلم المُتوفرة في ملحقٍ توثيقيّ يحتويه د. ف. د الفيلم، ولكنه، كان العنوان الأصلي للسيناريو الذي رفضته الرقابة، وأصبح "مسيو فيردو".
أخيراً، ..
هل يريد " إبراهيم العريس" نماذج أخرى من كتاباتٍ عن أفلامٍ لم يشاهدها ؟