لونك المفضل

بوابة السينما - Powered by vBulletin
 

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية Abdulaziz M
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    17
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي 1928 - La passion de Jeanne d'Arc

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    لا يمكن البدء بالحديث عن The Passion of Joan of Arc دون التطرق للمصاعب الكثيرة التي تعرض لها. أتم المخرج الدنماركي المغمور حينها Carl Theodor Dreyer تصوير الفلم في فرنسا عام 1928 ليتم عرض الفلم بشكل محدود نتيجة عدم نجاحه تجارياً آنذاك. فيما بعد فُقدت جميع النسخ الأصلية حيث تلف بعضها وضاع الآخر أو احترق كما حدث للكثير من الأفلام الصامتة ، ولم يتبقَ من أثر الفلم سوى نسخ بديلة تختلف في جودتها الفنية والتقنية عن النسخة الأصلية. كل هذا لم يمنع الفلم من ترسيخ مكانته كأحد أعظم الأفلام السينمائية على الإطلاق. ففي مجلة Sight & Sound الشهيرة صنف الفلم في المرتبة السابعة عاميْ 1952 و1972 في قائمة أفضل الأفلام في تاريخ السينما. استمر درير في صنع أفلام شكلت علامات فارقة في السينما إلى أن توفي عام 1968 ، وهو يظن أن تحفته الصامتة بشكلها الأصلي الذي أراد به أن تُشاهد به قد ضاعت إلى الأبد. في عام 1981 عُثر على نسخة أصلية للفلم في مشفى للمجانين في النرويج ، كانت قد أرسلت إلى هناك وعُرضت عدة مرات ثم حُفظت في إحدى الخزائن ولم يُعثر عليها إلا بعد ما يقارب خمسين عاماً، ليكون مشفى المجانين ذاك مصدر اكتشافٍ مهم أعاد إحياء إحدى التحف الفنية التي غيرت وجه السينما.

    يمكن الاستدلال على حجم الأهمية التي تشكلها قصة جان دارك، والتي يستمد منها الفلم جزءاً من أهميته، من خلال عدد ما سُخّر لها من أعمال فنية وأدبية ما بين مسرحيات وملحمات شعرية وأوبرات ولوحات وبالطبع الأفلام التي تناولتها بشكلٍ أو بآخر. لم تكن جان سوى فتاة فرنسية في التاسعة عشرة من عمرها ترتدي ثياب رجال وتؤمن أنها مرسلة من الله حين أعدمت حرقاً بواسطة الإنجليزعام 1431. قبل أن تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها كانت تدعي انها تتلقى رؤى سماوية توحي لها بتحرير فرنسا من الاحتلال الانجليزي أثناء حرب المائة عام بين بريطانيا وفرنسا. وقادت بإلهام من تلك الرؤى جيشاً صغيراً لعدة انتصارات ضد الانجليز الذين قبضوا عليها فيما بعد واتهموها بالسحر والإلحاد. حوكمت إثر ذلك في محاكمة شهيرة شاركت فيها الكنيسة الفرنسية لتنتهي المحاكمة بإعدامها حرقاً. قصتها لم تنتهِ بموتها بل يتم اعتبارها اليوم رمزاً فرنسياً وقديسة في المسيحية الكاثوليكية. الفلم لا يتطرق لخلفية الحرب أو أي من التفاصيل السياسية، بل يتخذ الساعات الأخيرة من حياة جان زماناً لأحداثه مستنداً على وثائق تاريخية تعود إلى زمن المحاكمة وتحكي بالتفصيل ما جرى فيها.

    قد يكون أهم الأفلام التي تناولت حياة جون بعد فلمنا هذا هو فلم The Trial of Joan of Arc عام 1962 للفرنسي Robert Bresson ، الذي يتخذ مساراً معاكساً تماماً لفلم درير رغم أن كلا الفلمين يتشاركان معظم الأحداث، فبريسون يفرط في إقصاء العاطفة من أفلامه وتجريدها من وسائل التأثير ، في حين أن درير في المقابل يكثف استخدامه لوسائل التأثير على المشاهد إلى حد أنه يمكن أن يعتبر بروباجندا ، إذ يسخر كل أدواته السينمائية ليجعلنا أقرب ما نكون إلى جان ويدفعنا للتحيز ضد خصومها. رغم ذلك فمن القصور في فهم الفلم أن يتم اعتباره فلماً دينياً. فالفلم لا يناقش إن كانت جان صادقة في ادعائها كما تعتقد بعض الطوائف المسيحية أو مجرد امرأة معتلة نفسياً ترى وتسمع ما لا وجود له. هي مجرد روح تبحث عن خلاصها من خلال دفاعها عن ما تؤمن به. وهو ليس فقط صراع بين الإنسان والآخر الذي يرفضه ، بل أيضاً صراع الإنسان الداخلي مع نفسه ومبادئه وسط محيط يثير شكوكه بتلك المبادئ، وبهذا المفهوم يكون الفلم تجسيداً لحالة إنسانية أعمق وأشمل من أن يتم حصرها في أُطر دينية بحتة.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    أهمية الفلم السينمائية تكمن في الأسلوب الثوري الذي استخدم به درير أدواته وتقنياته . زوايا التصوير ، حركات الكاميرا وإحساسها بالضوء ألهمت ولا زال تلهم صانعي الأفلام في مختلف العقود التي لحقت هذا الفلم ، إذ يُظهر درير رؤية إخراجية متفردة حول كيف يمكن أن تكون الكاميرا لغة مستقلة بذاتها تعكس موقف الشخصيات وأفكارهم دون الحاجة إلا للضروري من الحوارات. في مَشاهد المحاكمة مثلاً حين يظهر الرهبان في الصورة تدور الكاميرا بين وجوههم في لقطة جماعية أو تنتقل بشكل سريع بين راهب وآخر ، بينما حين تظهر جان فإنها تكون وحدها في اللقطة لنشعر بعزلتها الروحية التي تعانيها تلك اللحظة في ظل وجودها حول من لا يشاركونها إيمانها ولا تجربتها الروحية ويصرّون على إقصائها. هنالك دائماً نوع من الحركة أو الاهتزاز في الكاميرا حين يظهر الرهبان في اللقطة مما يوحي بالاظطراب ، بينما تبقى الصورة ثابتة وأقرب للسكون حين تنتقل اللقطة إلى جان التي تكتفي بالصمت رداً على أسئلتهم أو تحدق نحو الأعلى وكأنها تستمد عوناً سماوياً. تكون اللقطة قريبة من وجهها بما يكفي لأن يملأ إطارات الصورة ، وكأن الكاميرا تستنفذ إمكانياتها لترصد كل ما يوحي به وجه جان.

    العبقري السويدي انغمار بيرغمان يعتبر أن وجه الإنسان هو موضوع السينما الأهم ، وجه الإنسان بصفته نافذةً إلى روحه يكشف حقيقة المشاعر والأفكار التي تضمرها النفس. يرسّخ بيرغمان هذه الفكرة في أفلامه من خلال تكثيفه للقطات الكلوس أب على وجوه الممثلين. أحد المصادر التي ألهمت بيرغمان بهذه الفكرة في أغلب الظن هو هذا الفلم الذي يصنفه ضمن أفضل 10 أفلام شاهدها. اهتمام درير بالوجه يظهر جلياً في عدم استخدامه للمكياج على وجوه الممثلين أثناء التصوير، الأمر الذي لم يكن معهوداً في فترة الأفلام الصامتة ، بحيث تظهر أدق تفاصيل الوجه وذلك ما يمنح وجوه الممثلين قوة تعبيرية أكبر حسب رأي درير. هذا الرصد الدقيق للوجه يتطلب أداءً يوازيه في الدقة والعمق ، فأي هفوة في التمثيل قد تربك الفكرة وتغير المعنى الذي يتلقاه المُشاهد. وهنا تظهر عظمة أداء Marie Falconetti بدور جان.

    لم تكن فالكونيتي إلا ممثلة مسرحية أعجب بها درير دون معرفة مسبقة بها حين شاهدها في أحد المسرحيات الكوميدية وقرر أنها الشخص المناسب لدور جان. كان هذا هو فلمها السينمائي الثاني والأخير ، غير أنه كان كفيلاً بأن يمنحها الخلود في ذاكرة السينما. وإن كان أداء فالكونيتي بمقاييس اليوم يحوي بعض المبالغة في التعبير لكن هذه المبالغة هي جزء مهم من لغة الأفلام الصامتة، فبحكم غياب الصوت وقلة الحوارات تقع على عاتق الممثل مسؤولية أكبر في إيصال قدر كبير من الكلام والمشاعر والأفكار فقط من خلال ملامح وجهه ونظراته وحركاته التعبيرية. وهنا يكفي أن يرى المُشاهد عينيْ فالكونيتي ليتلقى منها سيل المعاني وينجذب إلى العمق الدرامي للفلم. كان درير يحتاج أداءاً يمكن أن ينتقل بالشخصية في لحظات ما بين يأس وأمل وشك وإيمان وخوف وثقة ، فوجد كل ذلك ومشاعر أخرى كان يوحي بها وجه فالكونيتي ويعجز الكلام عن ترجمتها. هو دون مبالغة ليس أحد أفضل ما تم تأديته خلال الفترة الصامتة للسينما وحسب ، بل أحد أكمل الأداءات السينمائية حتى يومنا هذا رغم تطور الأساليب التمثيلية وتعدد مدارسها ، فضلاً عن أن بعض النقاد يعدونه الأداء الأفضل على الإطلاق في تاريخ السينما.

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    أحد المخرجين الذين مثلوا تأثيراً واضحاً على أسلوب درير هو الروسي Sergei M. Eisenstein وبالأخص تحفته الصامتة Battleship Potemkin ، الفلم الذي طبق فيه نظرية المونتاج وأحدث بها ثورة كبيرة في أسلوب صناعة الأفلام. درير هنا يستفيد من أسلوب آيزنشتاين في استخدام المونتاج للتأثير على المُشاهد ، حيث يقوم بدمج عدة صور مترابطة أو غير مترابطة تخلق معنى بمزجها معاً أو تحدث تأثيراً معيناً ، الأمر الذي كان واضحاً في مشهد استعراض أدوات التعذيب مثلاً حين يستخدم القطع السريع بين الصور لينقل لنا شعور القلق والخوف المتصاعد لدى جان.

    إلى جانب تأثير السينما الروسية على أسلوب درير، تظهر لمحات تأثره بالتعبيرية الألمانية، وهو الاتجاه الفني الذي كان له حضور كبير ومؤثر في أفلام السينما الصامتة في العشرينات. إحدى سمات التعبيرية أن يتم تصوير الأمور كما نشعر بها لا كما نراها بأبعادها الحقيقية في الواقع. فمثلاً في the Cabinet of Dr.Caligari وغيره من أفلام رواد التعبيرية مثل F.W. Murnau و Fritz Lang يمكن بسهولة ملاحظة الغرابة أو التشويه الذي يضيفه المخرج إلى الديكورات ومواقع التصوير وزوايا الكاميرا التي تحاول التقاط الجوانب ذات الإيحاء الأكثر رعباً في وجوه الممثلين وحركات أجسادهم ، فيبدو الفلم كما لو أن أحداثه تجري في كابوس مزعج. لا يصنف فلم درير ضمن الأفلام التعبيرية إلا أن أثرها يظهر في زوايا التصوير مثلاً حيث تلتقط وجوه الرهبان من زوايا منخفضة أو تكون إطارات الصورة مركزة على حواجبهم المعقودة بغضب أو أفواههم التي تصيح بالأحكام والاتهامات بكل حدة، في حين تظهر جان بعكسهم في زوايا مائلة أحياناً أو زوايا مرتفعة تعكس موقفها وحالتها النفسية. وكذلك يبدو تأثير التعبيرية واضحاً في الطريقة التي صممت بها المباني والغرف والأشكال لتي تحمل أبعادها بعض الغرابة مثل الباب في صورة مشهد التعذيب أعلاه. أي أننا نرى تفاصيل المشهد بالطريقة التي توحي بشعور جان أكثر من أن نراها بأبعادها الواقعية تماماً.

    يُذكر أن درير أراد للفلم أن يكون صامتاً تماماً بدون موسيقى رغم شيوع استخدامها في الأفلام الصامتة في تلك الفترة. معظم نسخ الفلم المتوافرة اليوم تضم مقطوعة Voices of Light التي كتبها Richard Einhorn خصيصاً لهذا الفلم. وإن كانت مشاهدة الفلم مصحوباً بتلك الموسيقى تضيف له بُعداً آخر وتزيد من جماله ، إلا أن مشاهدته صامتاً تماماً كما أراده درير تبقى تجربة سينمائية فريدة بحد ذاتها. غياب الموسيقى والحوارات الصوتية لا ينقص من قدر الفلم شيئاً ، بل ربما يضيف إليه ما لا يتحقق إلا بغيابها ، ويمنحه ميزة أن ينتمي إلى زمانه بكل عناصره و أن ينتمي في ذات الوقت إلى الأزمنة اللاحقة دون أن يشيخ. فالحديث هنا عن فلم لا زال قادراً على إثارة الدهشة وخطف الأنفاس لدى الكثير من متذوقي الأفلام في زمن تضجّ سينماه بالحوارات والأصوات والألوان ، بعد ما يزيد على ثلاث أرباع القرن منذ تاريخ صنعه. هو في النهاية مثال حول كيف يمكن أن يكون الفلم فناً خالصاً ، وكيف يمكن أن تكون السينما أداة وعي لا تكف عن حمل رسالتها وقدرتها على التأثير مهما تقادم بها العمر.


    * المراجعة تم نشرها مسبقاً في بعض المنتديات بالإضافة إلى مدونة الأستاذ محمد رضا

  2. #2
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية سائق التاكسي
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    216
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: 1928 - La passion de Jeanne d'Arc

    الأخ الرائع والمبدع عبدالعزيز محمد

    اهنئك على هذا الموضوع الأكثر من جميل

    ولا يسعني الا أن أشكرك وكلمات الشكر جد ضعيفة أمام ما قدمت

    حيث بالفعل يصعب الاضافة أو التعليق أيها الرائع

    مودتي لك وللجميع..ومرة أخرى ألف شكر

    :)

  3. #3
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية Abdulaziz M
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    17
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي رد: 1928 - La passion de Jeanne d'Arc

    الشكر لك لتواجدك وثنائك الجميل أخوي محمد
    تحياتي لك وكل عام وانت بخير مقدماً : )

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •