لونك المفضل

بوابة السينما - Powered by vBulletin
 

النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية الرســـــام
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    100
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée




    لنتجاوز سويا جميع المعضلات الفلسفية والتركيبية المتعلقة بمفهوم "الزمن"
    نستطيع أن نربطه بديهيا بعنصر "الحركة" ، إذ أن انتفاء الحركة يقتضي انتفاء المفهوم البديهي للزمن ، فلا يوجد زمن دون أن يسير في حركة ما .
    في الأعمال الروائية تستطيع جيدا أن تتحكم باللحظة الزمنية ، أن "توقفها" وأن تتوسع فيها كيفما شئت ومتى أردت ، بإمكان الروائي أن يستمر في وصف اللحظة إلى ما لا نهاية ، أن يشرح كيف شعرت الشخصية الأولى في اللحظة المحددة ، ثم ينتقل ليشرح كيف شعرت الشخصية الثانية في ذات اللحظة ، ثم يتعمق في وصفها ماديا عبر تكثيف الصور الوصفية للمكان والأوجه والتعبيرات .. كل هذا في لحظة واحدة لا تتحرك ، لكنها متمددة .
    في السينما المسألة تختلف جذريا ، الزمن محدود التمدد ، لا تستطيع تكرار الصورة لتشرح جميع ما سبق ، هي محمَّلة بكل تلك الصور التي تستغرق الرواية في وصفها ، إلا أنها تمر دفعة واحدة ، لمرة واحدة .
    وهنا يأتي دور الروسي تاركوفيسكي



    تحدث الروسي المهاجر في كتابه ( النحت في الزمن ) عن مفهوم " الزمن المطبوع "
    ففي رأيه أن السينما حينما تم اختراعها كانت عبارة عن تسجيل للزمن في أشرطة مفرغة ، تستطيع أن تحتفظ بها إلى الأبد ، الزمن أصبح مطبوعا فيها .. هي نفس الفكرة الفسلفية التي تقول بأن اللغة تجسيد للحس .
    ولهذا فالمخرج – نظريا – يعتبر " ناحتا في الزمن "
    عبارة ساحرة .. أليس كذلك ؟!
    في فيلمه ( Stalker – المطارد ) يروي السيناريست الإيطالي تونينو غوييرا قصة جميلة ، كان يسير مع الروسي بجانب المخرج الآخر مايكل أنجلو أنتنيوني ، في مواقع محتملة للتصوير في أوزباكستان .
    كان تاركوفيسكي يحمل معه كاميرا البولورويد ، وعندما مروا بجانب ثلاثة شيوخ مسلمين التقط تاركوفيسكي صورة وأعطاها لأحدهم ، نظر الشيخ بدهشة ، ثم قال بفطنة فطرية "لماذا توقف الزمن ؟!"
    هل توقف فعلا ؟!
    هل الصورة تعتبر توقفا للزمن ، أم أنها اختزال له ؟!
    ظل تاركوفيسكي يفكر كثيرا في تلك الكلمة ، يحاول إيجاد منفذ يجسد إمكانية إيقاف الزمن ، حتى لو عن طريق الكاميرا الفوتوغرافية ..
    لا أعلم إن كانت الفيزياء تجيز تسمية عملية التصوير "إيقافا" أو "طبعا" للزمن ، ولكن المقصود أن الصورة استطاعت أن "تقبض" على اللحظة ، إنها لا تتحرك ، وبالتالي هي لا تتغير ، إذا فهي تتماهى خارج نطاق الزمن .. تماما كما تفعل الرواية .
    هي فكرة جميلة .. لكنها ليست عملية .
    أنت لا تستطيع أن تقدم في السينما مجموعة من الصور الثابتة ، يجب أن تقبض على اللحظة متماشية مع حركية الصورة ، وهنا تكمن المناقضة التي لا يمكن حلها .
    ولأجل ذلك تحدَّث الروائي والسيميائي أمبرتو إيكو عن السينما وعلاقتها بالرواية ، حينما أشار إلى أن النص الروائي يتولد منه "عبقريات تصويرية" ، لأنها متكررة ، وصفية ، بشكل مكثَّف ، تجعل من اللحظة زمنا كاملا من التعابير والأشكال والصور ..
    أما في السينما ، فاللحظة تأتي في صورة واحدة ، لا يمكن الاستمرار في إعادتها ، أو تثبيتها ..
    ولهذا كان ناقما على تحويل روايته الشهيرة " اسم الوردة " إلى عمل سينمائي ، لم يتمكن من الارتقاء لمستوى الرواية لعدم قدرته على مماشاتها .
    من هنا بالضبط ، ينطلق الفرنسي كريس ماركر .



    قبل كل شيء ، دعونا نتفق على نقطة مهمة : السينما في أساسها صور .. أليس كذلك ؟
    مهما حاولنا فلسفة مفاهيم السينما أو التنظير لها ، فإن الحقيقة التي ستظل بديهية للناقد أو المنظِّر أو المشاهد العادي .. هي أن السينما في جوهرها صور .
    هنالك الكثير من العلاقات التي تربط السينما بعوالم الإبداع الأخرى ، سواء الأدبية والفكرية التي تبني الجزء المضموني ، أو الفنون الجمالية التصويرية التي تكوِّن علم الجمال السينمائي .. ولكن الفن الجوهري الذي ارتبطت به السينما في أوائل ظهورها هو فن الفوتوغرافيا .
    لنأخذ دورة سريعة على بداية تكوين هذا الفن ، نريد أن نفهم جيدا هوية الفوتوغرافيا في السينما أولا ، وفي عمل كريس ماركر ثانيا .
    عندما تم اختراع الفوتوغرافيا فعليا في عام 1839 نتيجة مجموعة من المحاولات المنسوبة عموميا للثلاثي جوزيف نيسفور و لويس داجير و ويليام تالبوت ؛ سبَّب نقلة نوعية في حد ذاتها ، وثورة علمية وفنيـة استطاعت أن تصور الحيـاة الواقعية على حقيقتها .. وكما هي ..
    نشأ بسببها صراع حامي الوطيس بين مدرستين بتوجهات مختلفة تماما ، المدرسة الواقعية والطبيعية ، حيث شدد الواقعيون على ضرورة الفوتوغرافيا كبديل أساسي وحتمي ، لأنه الريشة الخاصة والمباشرة للطبيعة دون أن يزيِّفها الرسام بأفكاره الخاصة وأطروحاته الذاتية ، أما الطبيعيون فقد اعترضوا على هذه الفكرة وحاولوا تهميش الفوتوغرافيا ، حيث رأوا فيها كما يشير المنظر باندوبولو ( تعبيرا ميكانيكيا محضا لا يرقى إلى مستوى التعبير الفني المطلق المستقصي لغايات جمالية محددة )
    الفرنسي بودلير كان له شأن في الصراع حينما قرر معارضته الحادة للفوتوغرافيا ، مبررا ذلك بقوله ( إنني أؤمن بالطبيعة ، ولكنني لا أرى أن الفن هو إعادة إنتاج لها .. إن الخدع التقنية القادرة على إنتاج الطبيعة تجعل من الفوتوغرافيا فنا ساذجا لا أكثر ! )
    هذه الرؤية المتطرفة ناشئة من أن الطبيعيين ينظرون إلى الفوتوغرافيا على أنها فن جامد ، يخلو من الحس الإبداعي ، ويقتل الطبيعة حينما ينقلها كما هي تماما ، خالية من روح الفنان ولمسته الفنية ..
    فالفن لديهم ذاتيُّ النزعة ، يجب أن يكون للفنان له نصيب في توجيهه وبنائه بالطريقة التي يراها مناسبة .. ولا يظنون أن الفوتوغرافيا قادرة على تحقيق ذلك .
    والواقعيون على الطرف الآخر يمتدحون الفوتوغرافيا انطلاقا من أنها انعكاس للواقع ليس إلا ، فهم لا يرون فيها إمكانيات إبداعية ذات أبعاد فنية ، بل لأنها تعكس الواقع بصورته الحقيقية التي تشوهها ريشة الفنان بذاتيته ورؤيته الخاصة .
    هذا الصراع له علاقة متأصلة بنظريات الفن ، وهل هو انعكاس للطبيعة أم أن الطبيعة انعكاس له .. عموما لا شأن لنا بذلك .
    ظلَّت الفوتوغرافيا تطوِّر نفسها بأساليب جديدة وتقنيات حديثة على مر قرن كامل ، أثبتت فيه أنها قادرة على خلق صيغ تعبيرية شديدة الخصوصية ، إلى أن أصبحت في وقتنا الحالي مزيجا من الصورة الواقعية والفن التشكيلي حينما يتم التلاعب بها عن طريق برامج التصميم الكمبيوترية .
    ولكنها أثناء ذلك لم تكتسب الصيغة المميزة التي تمنحها استقلالا فنيا ، وإنما ظلَّت تتوارى في الظل ، بل أنها اندمجت مع السينما ولكن عن طريق تحوُّلها من الصيغة الثابتة التي نشأت عليها إلى الصيغة المتحركة التي قامت السينما على أساسها .
    هذا ما نستطيع قوله عن الفوتوغرافيا كفن مستقل .
    ولكن لنعد قليلا إلى الوراء ..
    كريس ماركر .. هو مخرج ومصور فرنسي لا يمتلك شهرة عريضة أو مكانة كبيرة ، ولكنه رغم ذلك يعدُّ اسما معروفا في السينما الفرنسية ، وأعماله الروائية والتسجيلية تتميز بحس فني عالي المستوى ، وتعمُّق في جماليات الصورة السينمائية .
    كونه في الأصل مصورا ، ثم سينمائيا ؛ فقد كوَّن ماركر وجهة نظر شديدة الخصوصية تجاه السينما كفن تصويري ، عكس غيره من أغلبية المخرجين الذين لا يمتلكون علاقة وثيقة بالتصوير كفن قائم بذاته .
    هذه العلاقة التي كوَّنها ماركر بين السينما والفوتوغرافيا منحته قدرة كبيرة على تمييز السينما كفن تصويري قبل أن يكون فنا متكاملا ذو عناصر متعددة ، مما جعله يرتبط ارتباطا وثيقا بالسينما "كصورة" ، قبل أن يرتبط بها "كسينما" .
    وتجسَّد هذا الارتباط الوثيق في تحفته القصيرة La Jetée التي لا تتجاوز 28 دقيقة ، في عام 1962 .



    قام ماركر بتصوير الفيلم فوتوغرافيا ، فهو كتلة من الصور الفوتوغرافية التي تم جمعها على طول الفيلم ، دون وجود أي لقطة حركية .
    عندما تستطيع تحريك الصورة في عمل سينمائي ؛ فلماذا تخاطر بإيقافها ؟!
    هذا هو السؤال الذي قد يُطرح على ماركر بعد مشاهدة فيلمه .
    والجواب عن هذا السؤال معقد نوعا ما ..
    في فيلم ماركر ، تتضح لنا جليا نظرية تاركوفيسكي السابقة : القبض على اللحظة الزمنية عن طريق ثبات الصورة الفوتوغرافية ..
    وبالتالي فالفيلم يعمل على مستوى تصويري عالي .. إذ يكشف عن أدق التفاصيل الشخصية ، ويتعمَّق في اللحظة الثابتة التي تمر بها الصورة الفوتوغرافية ، لأن الصور الثابتة تمنحنا فرصة لملاحظة لحظة واحدة عابرة تم القبض عليها بشكل خاطف لتقدم لنا ما نبحث عنه ، صورة واحدة تتحدَّث باختصار متكامل عن لقطة كاملة ، لأن كل الصور تم اصطيادها بطريقة معبرة .. وهنا تمكن صعوبة وبراعة العمل في نفس الوقت .. التركيز على تفاصيل الصورة لتكون ممتدة في عمق اللحظة الزمنية .
    أثناء الفيلم ؛ ينشأ ما يشبه الشعور بالحميمية ، حيث أن الصورة الفوتوغرافية لا تتحرك ، وبالتالي فهي خارج نطاق الزمن الحركي ، إنها ثابتة ، وكأنها تنقضُّ على اللحظات الزمنية لتقبض عليها وتقدمها لنا في صورتها التأملية ، مما يشعرنا أننا في منطقة فارغة خارج الزمن .
    ولهذا السبب ؛ فإن الصور الفوتوغرافية التي نحتفظ بها من ماضينا ، هي أكثر تعبيرية من تلك المتحركة ، الصورة الثابتة تمنحنا شعورا بالهلامية الزمنية ، وكأننا نخرج من نطاق الحاضر ، وتخرج هي من أوباش الماضي ، كي نلتقي في منطقة لا زمنية ، بعكس الصور المتحركة التي تُشعرنا حركيَّتها بتتابع الزمن .
    ماركر قدَّم رائعة سينمائية شاعرية مشبعة بالصور التأملية التي تأخذ بيدنا بعيدا عن حركية الزمن ، ونحو منطقة لا زمنية توافق فكرة الفيلم الذي يتحدث عن الماضي والمستقبل وعن القفز بينهما .
    ولكنه في المقام الأول ، استطاع أن يعيد كثيرا من المفاهيم التنظيرية لفن السينما وعلاقته بالدلالات التصويرية وبالزمن .. وهو ما يجعل عمله مهما إلى حد كبير .



  2. #2
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية سائق التاكسي
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    216
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    عظمة يا رسام
    احتاج وقت لمراجعة ما كتبته
    لي عودة يا فنان
    :)

  3. #3
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية الرســـــام
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    100
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    العظمة فيما قمت به في هذا الموقع يا صاحبي :)
    خذ راحتك .. وسأكون هنا متى ما عدت .
    أحمــد
    الحقيـــــــل

  4. #4
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية mastorna
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    64
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الأستاذ العزيز الرسام

    موضوع رائع تشكر عليه .. شاهدت الفيلم المذكور منذ فترة ووجدته بالفعل مثيرا للاهتمام، السؤال الذي دار ببالي بعد مشاهدة الفلم هو هل هذا فلم أصلا؟ هل هذه سينما؟
    بالطبع لا أستطيع إلا أن أبدي إعجابي بجرأة ماركر، حساسيته لجو القصة بتكثيفه لشاعرية اللحظة، مزاوجته بين معالجة المعضلات الشكلية والنظرية التي يتناولها فيلمه وموضوع قصته حيث أن الفلم -بطريقة ما- عن ضياع الزمن وضبابيته إن جاز التعبير.. هل تذكر تلك اللقطة التي يستحضر فيها رائعة هيتشكوك "vertigo" في لقطة جذع الشجرة حيث تصبح حياتنا بأكملها مجرد خط متذبذب بداخل الجذع؟
    أحترم بشدة هذه الأعمال التي تقوم بإزالة الفواصل بين الشكل والمحتوى.

    لكن ما استوقفني بشدة في قراءتك للفلم هو ربطك للفلم بنظرية تاركوفسكي.

    أولا.. من المثير للاهتمام أن ماركر نفسه كان معجبا بتاركوفسكي (تكفي مشاهدة فيلمه "يوم في حياة أندريه أرسينيفيتش" لتبين مدى هذا الإعجاب) لكن سنة صنع الفلم 1962 تنفي فكرة تأثره بتاركوفسكي. أليس من المثير تخيل ماذا كان رأي تاركوفسكي في الفلم؟ :)
    (أعلم أنك لم تقل أنه تأثر بتاركوفسكي لكنني أردت فقط أن أشير إلى هذه النقطة :) )

    الأهم من ذلك هو مسألة ارتباط ما فعله ماركر بنظرية تاركوفسكي للسينما (مفهوم النحت في الزمن) .. واسمح لي أن أخالفك فيما ذهبت إليه بهذا الصدد :)
    شخصيا أميل إلى الاعتقاد بأن عبارة "النحت في الزمن" التي ابتدعها تاركوفسكي هي أكثر من مجرد مقاربة بلاغية للحديث عن طبيعة السينما .. العبارة تكاد تكون وصفا حرفيا للسينما كما فهمها ومارسها تاركوفسكي.
    تاركوفسكي كان يرى بأن الخاصية الفريدة التي تميز السينما عن باقي الفنون هي قدرتها على الإمساك بالزمن بصورته الفعلية التي نعيشها في حياتنا الواقعية، بخلاف الأدب (أو الموسيقى؟) حيث يوجد الزمن كمفهوم مجازي أو فكرة مجردة.
    لذلك كان يرى أن لحظة خلق الفلم هي في موقع التصوير وليست في غرفة المونتاج، المونتاج كان بالنسبة له هو عبارة عن تجميع للقطات تحوي كل منها زمنها (أو إيقاعها) الخاص، وهذا التجميع يجب أن يكون مبنيا على تلمس تدفق الزمن خلال "الحياة" المطبوعة على الفلم وليس على تركيب مفاهيم وأفكار تؤدي إلى سرد قصصي معين. لهذا كان يستخدم مصطلحات مثل "ضغط" و "كثافة" الزمن عند الحديث عن كيفية اختيار اللقطات أثناء تجميع الفلم.
    الزمن عند تاركوفسكي هو المادة الخام للسينما، والمخرج بإمكانه النحت في الزمن عن طريق التحكم في الإيقاع الداخلي للمشهد ثم تجميع المشاهد ذات الإيقاع المناسب مع بعضها مما يضمن تدفق الزمن خلال الفلم حسب رؤية المخرج. لهذا ربما يصح القول مجازا بأن ال(cut) عند تاركوفسكي توازي الانحناءة التي قد يصنعها النحات أثناء توجيهه لكتلة الحجر.

    فيلم ماركر يختلف جذريا عن هذا، لا يوجد تدفق للزمن في الفلم. الزمن في la jetee أقرب إلى الزمن الروائي بمفهومه التجريدي منه إلى الزمن الواقعي للحياة. إذا كان فلم ماركر يوجد في "منطقة فارغة خارج الزمن" فأفلام تاركوفسكي توجد بداخل الزمن.

    بانتظار ردك ودمت بخير :)

  5. #5
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية الرســـــام
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    100
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    مرحبا أستاذ mastorna
    من الرائع قراءة مثل هذه المداخلات .. تجدد الرؤية باختلافها ، أو تعيد النظر في تصحيحها .

    طبعا لا يجوز القول بأن ماركر تأثر في هذا العمل بتاركوفيسكي .. هذا لا يجوز منطقيا بحكم أنه سابق لتاركوفيسكي ، هو مجرد استشهاد بفكرة طرحها الروسي ، تشرح شيئا من التوجه الذي قام به ماركر .. فالموضوع في أساسه يتعلق بنظرية ماركر وليس تاركوفيسكي ، لأن الأخير لم أتناول له نظرية من الأساس ، وإنما مجرد قصته مع الشيوخ المسلمين التي تتطرف في مبدأ الزمن المطبوع الذي اقترحه .. ولذا كما ستلاحظ ليس بيننا اختلاف من الأساس .

    دعني أبدأ من هنا .
    المونتاج كان بالنسبة له هو عبارة عن تجميع للقطات تحوي كل منها زمنها (أو إيقاعها) الخاص،
    هنا المسألة مخادعة .. تاركوفيسكي تحدث في كتابه - لو تذكر - عن فيلم المرآة ، وكيف قال بأن العمل فقد نفسه في عملية التصوير ، إلا أنني وجدت له خطا معينا لم أكن أخطط له في عملية المونتاج .
    وهو ما يقودني إلى الملاحظة المتعلقة بقصة تاركوفيسكي مع الشيوخ المسلمين ..
    في مقال سابق لهذا المقال تحدثت عن مفهوم اللحظة الزمنية في السينما وكيفية السيطرة عليها عن طريق الحركة التصويرية ، وكيف أن تاركوفيسكي وكايسلوفسكي في "الأزرق" وبيلا تار (كأمثلة) يمسكون بزمام اللحظة الزمنية عن طريق تدفقها في المشهد ، حيث يكون المونتاج مجرد عضو مخفي له حضور رمزي أثناء التصوير، وهنا الجزئية المخادعة ، إذ أنه لا يهمل المونتاج لذاته وإنما لأنه يعتمد أساسا على اللقطات الطويلة الممتدة التي لا تحتاج إلى تقطيعات المونتاج .. الزمن لديهم يسير في انسياب لا يهتم كثيرا بما يدور فيه ، بمعنى أن الزمن أشبه بـ "المطبوع" كما عبر عنه تاركوفيسكي .
    مشاهدة مدخل عمل بيلا تار رجل من لندن" هو عبارة عن مشاهدة "زمن مطبوع" ، لا يوجد "شيء" ملموس .. تدفق زمني يجعلك تشعر بأنك تقبض على اللحظة الزمنية .. هو مخادع ، لا يبدو أنه يتحرك لشدة بطئه وخموله ، ولكنه في الحقيقة يتحرك .. تماما كما قلت َ ، موجود في داخل الزمن دون وجود شيء يتحرك بوضوح .
    السؤال هنا ، وهو ما جاء في قصة تاركوفيسكي مع الشيوخ المسلمين : كيف تستطيع القبض على اللحظة "فعليا" في السينما ؟! ليس أن تطبع الزمن عن طريق تدفقه في المشهد لدرجة أنه يشعرك بعدم حركيته فقط ، وإنما كيف تتمكن من القبض عليه لدرجة أنه لا يتحرك فعلا ؟!
    هذا ما سحر تاركوفيسكي في القصة .. وهو ما جعله مرتبطا بفكرة "الزمن المطبوع" ، مجرد علاقة ظرفية ..
    فكرة الفوتوغرافيا لا أظنها مناقضة لفكرة الزمن المطبوع ، وإنما هي وجهها المتطرف في السيطرة على اللحظة الزمنية داخل العمل .
    وهو ما جعلني أستشهد بها على فكرة ماركر .. كيف تقبض تماما على اللحظة الزمنية .

    من الجميل أن أقرأ لك ..
    أرجو أن تتواجد هنا بكثرة :)
    أحمــد
    الحقيـــــــل

  6. #6
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية mastorna
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    64
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    السلام عليكم

    بعد مشاهدة ثالثة للعمل لا يمكنني إلا إن أبدي إعجابا متزايدا بالعمل وبصانعه، هناك الكثير للاستمتاع والتأمل في هذه الثمانية والعشرين دقيقة :)

    مع ظهور الأسماء في البداية يظهر اسم الفلم تعقبه عبارة "un photo-roman de Chris Marker" بدل "un film de Chris Marker"، قيام ماركر بتسمية عمله "رواية مصورة" يبدو ملائما جدا لطبيعة العمل ولموقعه من السينما. من ناحية هذا فلم (والوصف هنا لكونه طبع على فلم :)) ينطبق عليه ما لا يجب أن ينطبق أبدا على السينما: هو مزيج بين الرواية والفوتوغرافيا، وماركر -بالرغم من خلفيته الأدبية- يبدو مدركا لحقيقة أن السينما يجب أن تكون أكثر من ذلك لكي تستحق مكانة بين الفنون الأخرى.
    من ناحية أخرى .. هذا تأمل بديع في طبيعة السينما من خارجها. وهذه النقطة بالذات تمنح الفلم الكثير من فرادته وأهميته في تاريخ السينما. المثير ليس فقط أنه فلم مصنوع بكامله من صور ثابتة (لا أدري إذا كان الأول أم لا) بل أيضا أنه فلم روائي يتناول قصة تتنقل بين الرومانسية والإثارة والخيال العلمي مصنوع من صور ثابتة، هذا يمنح الفلم جذورا في السينما الشعبية بغض النظر عن طبيعته الفنية الطليعية. بالرغم من اقتناعي بسخف اختزال فيلم كهذا في الأنواع (genres) المذكورة إلا أن هذا قد يقودنا إلى رؤية الفلم من منظور مختلف: ماذا لو نظرنا إلى الفلم على أنه تفكيك للسينما إلى عواملها الأولية: قصة (تأثير أدبي)، موسيقى ومؤثرات صوتية، صورة (فوتوغرافيا)، مونتاج ...؟ المستبعد هنا هو الزمن (بتجسده الطبيعي من خلال الحركة)؛ لهذا لا يتنفس الفيلم الحياة التي تتنفسها سائر الأفلام ولا يمنحنا ذات القدر من التماهي مع الحياة المعروضة على الشاشة. التأثير المتولد مختلف تماما عن ذلك الذي يمنحنا اياه الفلم المتحرك، وماركر يصعد اللعبة إلى الذروة عندما يختار تصوير مشهد في متحف للحيوانات المجسمة حيث يتجول بطلا الفلم .. من الساكن ومن المتحرك؟ :)
    فوق ذلك، بتفكيكه للسرد السينمائي إلى صور ثابتة يبدو الفلم وكأنه يلمح إلى ماهية الوهم الذي يشكل جوهر السينما (دون أن يمارس هذا الوهم)؛ ٢٤ صورة ثابتة في الثانية تمنحنا المستحيل .. فرصة العيش في زمن آخر فوق زمننا الطبيعي !

    القول بأن الفلم يتألف كليا من صور ثابتة صحيح باستثناء بسيط وساحر، لحظة استيقاظ المرأة في منتصف الفلم، الطريقة التي يولف المونتير جان رافيل المشهد مدهشة؛ سلسلة من الصور من زوايا مختلفة، تدريجيا تأخذ الكاميرا زاوية واحدة وتتتابع الصور ذائبة في بعضها البعض ببطئ ما يمنح انطباعا بحركة ما، بزمن يصارع ليولد .. ثم تحدث المعجزة ويولد الزمن، للحظة يصبح كل شيء حقيقيا .. كما لو أن السينما ولدت للتو.

    نقطة أخرى مثيرة للاهتمام في الفلم هي استخدام ماركر لصوت راو من خارج القصة. استخدام الراوي هنا شبيه به في رائعته الأخرى "Sans Soleil" (وهو على ما يبدو أسلوب انتهجه ماركر في العديد من أفلامه حتى أصبح مقرونا باسمه)؛ من ناحية .. هو يضع المتفرج على مسافة معينة من الأحداث المعروضة أمامه بدل وضعه وجها لوجه مع ما يراه، في كثير من الحالات لا أحبذ استخدام الراوي كونه يسلب الكثير من حرارة التجربة المعروضة على الشاشة لكن في سياق هذا الفلم فإن التأثير مختلف؛ إنه يمنح الفلم نبرته الفريدة، شيء من الرثاء المكبوح لمأساة حدثت منذ زمن بعيد، عندما لانرثي فقط حدوث المأساة بل نرثي افتقادنا لحرارة الفجيعة الأولى، بكلمات أخرى .. نرثي قدرتنا على إبقاء جذوة الذكرى مشتعلة، مسلمين في خضوع بحتمية النسيان. البعد التراجيدي للفلم يتعمق بهذا لأن القصة ما هي إلاعن رجل تتملكه صورة من طفولته، ذكرى بعيدة .. حيث نتابع سعيه اليائس للإمساك بهذه الذكرى.
    من ناحية أخرى .. يساهم استخدام الراوي في تحديد الإطار الزمني للفلم، إنه كما لو أن الفلم بأكمله عبارة عن فلاشباك طويل يتذكره شخص ما من خارج الشاشة، أضف إلى ذلك افتقاد الفلم للحظية والمباشرة التي تتولد من حركة الصورة وواقعية الزمن في السينما تجد نفسك أمام صورة مذهلة للزمن حيث لا شيء حقيقي إلاالماضي أما الحاضر فهو محض وهم لا يتشكل إلا عند انقضائه. بهذا تكون اللحظة الوحيدة المتحركة (والسينمائية؟) في مشهد الاستيقاظ قادرة على هزنا بعمق .. كم هي حقيقية وكم هي عابرة! وماركر أذكى من يضع صوت الراوي في هذا المشهد :).
    تأمل هذه الجزئية ضمن البناء الكلي للفلم وسترى كيف نجح ماركر بعبقرية في منح المشاهد روح التجربة التي يعيشها بطل قصته بالرغم من (أو بواسطة؟) كل الأدوات التغريبية التي استخدمها: من الصور الثابتة حتى صوت الراوي ذي النبرة التقريرية، كما لو أن ماركر صنع سينما بلا سينما!

    يقول أندريه تاركوفسكي في (النحت في الزمن): "يقال أن الزمن غير قابل للإلغاء، وهذا صحيح تماما إذا كان يتصل بالماضي، بمعنى أنك " لا تستطيع أن تعيد الماضي " كما يقولون. لكن ما هو هذا "الماضي" بالضبط ؟ هل هو ما قد مضى ؟ وما الذي يعنيه "مضى" للشخص حين يكون الماضي، بالنسبة لكل واحد منا، هو الحامل لكل ما هو مستمر في واقع الحاضر، لكل لحظة جارية ؟ بمعنى ما، الماضي أكثر حقيقية، أكثر رسوخا واستقرارا، أكثر مرونة من الحاضر. الحاضر ينزلق ويتلاشى كالرمل بين الأصابع، محرزا ثقلا ماديا فقط في تذكره. إن خواتم الملك سليمان كانت تحمل هذا الكلام المنقوش " الكل سوف يمضي". بالتباين مع هذا، أريد أن أوجه الانتباه الى كيفية ارتداد الزمن وعودته الى الوراء. لا يمكن للزمن أن يزول بلا أثر، نظرا لأنه مفهوم ذاتي، روحي. الزمن الذي عشناه يستقر في روحنا كتجربة موضوعة داخل الزمن."

    تحياتي :)

  7. #7
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية mastorna
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    64
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    تعقيبا على رد الأستاذ أحمد الحقيل ..

    المسألة مخادعة بالفعل :)
    ما قصدته ليس أن تاركوفسكي يهمل المونتاج لذاته (رغم أن كلامه قبل كلامي قد يوحي للبعض بذلك)، لكنه يرفض استخدام المونتاج لتوليد الأفكار والمفاهيم بطريقة مباشرة. مبدأ ايزنشتاين (الذي يستخدمه ماركر إلى حد ما) قائم على فكرة أن الحياة تمنح للمادة المصورة في لحظة المونتاج .. المعنى (أو السرد القصصي) يتولد من تجاور الصور.
    عند تاركوفسكي المسألة مختلفة تماما .. ليس للمخرج الحق في فرض معنى معين على المشهد، على المونتاج أن يتبع إيقاع الحياة الماثلة في الفلم ويشكل كتلة الزمن المطبوعة على الفلم بناء على هذا الإيقاع. أعتقد أن تاركوفسكي عندما استخدم عبارة مطبوع في الحديث عن الزمن كان يعنيها حرفيا وليس مجازيا :) .
    أيضا تاركوفسكي تحدث كثيرا عن "الوحدة العضوية" للفلم، هذا في اعتقادي مرتبط بفكرة أن السينما هي في أصلها رصد لحياة ما لذا تحتاج لرابط (عضوي) ما بين أجزاء الفلم لكي يمنح الحياة التي فيه مصداقيتها عند المشاهد. (لفظة عضوي هنا مجازية بالطبع :)). ما حدث في المرآة في اعتقادي هو أن الفلم لم يتشكل في البداية عند المونتاج كما أراده المخرج وقت التصوير لكن المادة المصورة كشفت له عن خط آخر بعد محاولات عديدة وهو ما وصفه بالمعجزة. مقصدي من كل هذا أن المونتاج ثانوي عند تاركوفسكي ليس لأنه يفضل اللقطات الطويلة بل لأنه يجب أن يتتبع المادة المصورة لا العكس، المادة المصورة هي التي توجه المونتاج لاالعكس.
    لم أشاهد فيلم تار، لكن ما فهمته من كلامك هو أن إبطاء حركة الزمن عند تار هو أشبه بالإمساك به (أو طبعه) وأن الفوتوغرافيا تكون بذلك أكمل حالة لطبع الزمن.
    من جديد، أعتقد أننا نعني بال(طبع) أشياء مختلفة. ما أقصده بطبع الزمن ليس تجميده بل تسجيله، شخصيا لا أستطيع تخيل فكرة الإمساك بالزمن عن طريق ايقافه. السينما تمسك بالزمن عن طريق تدفقه لا تجميده. الفوتوغرافيا مختلفة .. ما تلتقطه من الزمن ضئيل للغاية لدرجة أنه لا يمكن عيشه أو تجربته مباشرة (كما هو الحال في السينما). شعورنا بالزمن من خلال الفوتوغرافيا هو ناتج للتداعيات والخواطر التي ننسجها حول الصورة وليست نتيجة الزمن الفعلي المختزل في الصورة بذاتها.من هذه الناحية بالذات الصورة السينمائية أكثف للغاية من الصورة الفوتوغرافية.

    بعد كل هذا لست متأكدا أننا مختلفان أساسا، لكنني بالتأكيد أدين لك بمتعة النقاش :)
    تحياتي

  8. #8
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية سائق التاكسي
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    216
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée

    متابع بشغف لكما
    الكلمات جد ضعيفة للتعقيب عليكما
    مودتي
    :)

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. 25 فيلم في السجل السينمائي القومي لمكتبة الكونجرس
    بواسطة Fresh في المنتدى جديد السينما و DVD
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-28-2010, 11:21 PM
  2. عبدالله بوشهري يشارك في مهرجان دبي السينمائي بـ(ماي الجنة)
    بواسطة المراسل في المنتدى جديد السينما و DVD
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12-11-2010, 12:19 AM
  3. ثقة السينمائي بنفسه لعنة أم ضرورة؟
    بواسطة الحاسة السادسة في المنتدى نقاشات عامة
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 11-29-2010, 01:59 PM
  4. الفيلم السعودي (عايش) في مهرجان بيروت السينمائي
    بواسطة المراسل في المنتدى جديد السينما و DVD
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-12-2010, 08:35 PM
  5. كنت اتمنى أن يكون هذا المخرج خارج الاطار السينمائي ككل !
    بواسطة Donnie Brasco في المنتدى نقاشات عامة
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 07-05-2010, 02:13 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •