[align=center]بابريكا.. تذكرة واعية إلى عالم الأحلام..



طارق الخواجي

[/align][align=justify] عندما يعود المخرج الياباني (ساتوشي كون) إلى الشاشة الكبيرة، فإنه يعود حاملاً معه مغامرة جديدة تحمل نكهة نادرة الوجود في عالم السينما أو الرسوم المتحركة على حد سواء، فمن خلال تاريخ قد يبدو حديثاً إلا أنه يتبوأ مكانة كبيرة في عالم الأنيميشن، وفي زمن يزدحم بكبار غيره ممن سبقوه أمثال مايزاكي الأب، أوتومو، مامورو أوشي، وكواجيري.
بطل (كون) المعتاد هو امرأة في الغالب، فعبر عدة أعمال حققها كانت المرأة هي المحور الذي يتركز عليه العمل، ففي فيلم (الأزرق المطلق-Perfect Blue1997) وفيلم (ممثلة الألفية-Millennium Actress 2001م)، أو حتى المسلسل الرسومي (وكيل الذعر- Paranoia Agent) 2004م، كان حضورها هو الأبرز والأقوى، وهو أمر يتشارك فيه أغلب صناع الأفلام الرسومية في اليابان، مايزاكي اشتهر بشخصية ناويشكا ثم أعقبها بسين في (الأرواح المبددة) وصوفي في آخر أعماله (قلعة هاول المتحركة)، الأمر ذاته يتكرر مع مامورو أوشي، فأشهر أعماله (بيضة الملاك) 1985م و(شبح في صدفة) 1995م اعتمدا على الرمز الأنثوي على رغم الفارق الكبير بينهما، من النموذج البشري النقي إلى النموذج الآلي المضطرب.
منطلقاً من تنوع في الشخصية يبرز منذ بداية فيلم (بابريكا-Paprika)، تبدو ملامح القصة التي يجذبنا إليها (ساتوشي كون) مألوفة إلى حد كبير مع بقية أعماله، فهو رجل يغامر في الجانب الميتافيزيقي على الدوام، لكنه في هذه المرة يفترض وسائل منطقية إلى هذا الانتقال غير المنطقي، فعبر عبقري سمين للغاية "توكيتا" بمشاركة طبيبة شابة "شيبا"، ينجح في اختراع وحدة معالجة طبية، تمكن المعالج من الدخول إلى أحلام الشخص والبحث عن مكمن المشكلة النفسية التي يعاني منها، ولا يترك لنا الفيلم نفساً لنلتقطه في استيعاب هذه الفكرة المجنونة، التي تفتق عنها عقل الروائي الياباني الأشهر في قصص الخيال العلمي "ياسوتاكا تسوسوي" في روايته التي تحمل العنوان ذاته صدرت في عام 1993م، لتأخذ القصة منحنى سريعاً حيث تختفي ثلاث قطع من هذه الوحدة التي ما زالت في طور التجربة، وتبدأ حالات من الاضطراب في مركز الأبحاث بسبب استعمال هذه الوحدات التي تخزن معلومات الأشخاص الذين استعملوها، وينطلق أبطال الفيلم بمعاونة أحد الشخصيات الرئيسية وهو المفتش "كوناكاوا" الصديق الحميم لرئيس فريق الأبحاث البروفسور "شيما" أحد المتضررين من الوحدات المسروقة، الوسيط في عالم الأحلام هو الفتاة المرحة "بابريكا" والتي تعني الفلفل الأحمر وهو معنى يجد ملامحه في التركيبة التي رسمها (ساتوشي كون) لشخصيتها، وهي شخصية منفصلة من الدكتورة "شيبا".
هنا تبدأ أحد الملامح المعهودة لأعمال (كون)، حيث تبدأ مغامرة البحث، وفي هذه المرة تأخذ نفساً شبيهاً بالأسلوب البوليسي المميز في "الأزرق المطلق"، لكنه رحلة عن حقيقة الذات والشعور كما في "ممثلة الألفية"، حيث تبدو الصورة وكأن ساتوشي كون يستفيد من أعماله في تطويع أكبر، لقصة ذات مساحة يمكن من خلالها صناعة عناصر لم تتوفر في واقعية الأعمال السابقة، وهو أمر يتكرر في إخلاصه الدائم في كل أعماله لأفلام السينما الحية، وهذه المرة يقدم تحية على طريقته الخاصة للمخرج الكبير الراحل أكيرا كوراساوا بشكل واضح، مما يؤكد عشقه لسينماه والتي عرض جزءاً منها بطريقة رمزية وفانتازية خلاقة في "ممثلة الألفية"، مضيفاً إليها هذه المرة حبه لأفلام السينما عموماً عبر الملصقات التي يمر بها أبطال الفيلم في أحد مفاصل الأحلام المتعددة.
الفيلم في صيغته العامة يدور في فلك النَفَس الأخروي أبرز مواضيع الأنيميشن، حيث العالم على وشك الدمار، واختلاط اليقظة بالحلم والواقعي بضده، إلا أنه يحتوي نفساً احتفالياً بالغ الوضوح عبر مسيرة احتفالات الربيع الشهيرة التي تسير مطولاً في الخط العام للفيلم، مع صبغة مخففة من الرثاء للطفولة والحنين لأيام الشباب والأحلام التي خططنا لها دون أن نحققها أو على الأقل لم نخلص لذكراها.
"كون" ينتمي إلى مدرسة الواقعية في منهج الرسم، فهو يُحَمّل شخصياته الحجم المعقول من الجسد الياباني، بملامح أقرب إلى التركيب البيولوجي للإنسان الشرق الآسيوي حتى في صبغة الشعر، الأمر غير المألوف في المدارس الأكثر انتشاراً في اليابان بخلاف مدرسة مايزاكي، وخلفيات الرسم قوية الألوان، متحركة بشكل مدهش، وهو أمر معتاد في الأعمال ذات الإنتاج العالي، أما في الرسم الأساسي فوجود شخص مثل "نوبوتاكا إيكي" الذي وقف خلف هذا العمل وأعمال (كون) السابقة يجعل مسألة الحديث عن جودة الرسم مجرد تكرار لحقيقة لا جدال فيها.
بعد النجاح الذي حققته الموسيقى التصويرية لفيلم "ممثلة الألفية" والتي كتبها "سوسومو هيراساوا"، يبدو اختيار "كون" لتكرار العمل معه مرة ثالثة بعد مسلسل "وكيل الذعر" موفقاً، وإن كان العمل بعيداً عن الروعة التي اجتذبت الجمهور لعمله الخلاق في "ممثلة الألفية" أو المسلسل الشهير "برسرك - الهائج" 1997م للمخرج "ناوهيتو تاكاهاشي"، إلا أنها محاولة لاستثمار نجاح "ممثلة الألفية" من خلال تكرار الأدوات الإليكترونية المستخدمة في كتابة الموسيقى التصويرية السابقة، وبشكل عام فإنها تسير على قدر الفيلم، وبشكل أخف عن سابقها، لكنها مميزة في نفسها البوليسي المتوائم مع الأحداث المثيرة التي يمر بها الفيلم، الأمر الإضافي الذي برز فيها هو نجاح هيراساوا في إضافة الأصوات البشرية بشكل غنائي بأسلوبه الرائع كما يفعل دائماً، وبنفسه في بعض الأحيان.
هذا الفيلم لقي احتفاءً يستحقه في عالم السينما، حيث تم افتتاحه في مهرجان البندقية الثالث والستين عام 2006م، ورشح لجائزة الأسد الذهبي التي اختطفها الفيلم الصيني "ما زلت حياً"، وشارك في عدة مهرجانات عالمية أبرزها مهرجان طوكيو الدولي، وقد فاز بعدة جوائز في مهرجانات الرسوم المتحركة حول العالم. من الأمور الطريفة التي اكتشفتها بشأن هذا الفيلم، الموقع الاليكتروني الذي يقود الأشخاص في الفيلم للدخول إلى عالم الأحلام على يد بابريكا، وعندما تختاره في الحقيقة تظهر رسالة خطأ باليابانية على صفحة الموقع، معللة بأنه لا يمكن استعمال وحدة المعالجة الطبية إلا عن طريق الموقع الرسمي للفيلم، وهو جنون غير مستغرب على عالم الأنيمي المجنون في حد ذاته.

[/align]

[align=right]جريدة الرياض بتاريخ 13 سبتمبر 2007[/align]