لونك المفضل

بوابة السينما - Powered by vBulletin
 

النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية يوسف
    عضو
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الدولة
    الرياض
    المشاركات
    45
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي The Last Station .. تحية إلى تولستوي



    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    قد أشاهد هذا الفيلم The Last Station مع مجموعة من الأصدقاء .. وسنخرج بنتيجة شبه قطعية أن هذا الفيلم لا يرقى إلى فكرِ الرجل التي جُسدت لحظات حياته الأخيرة, بل لم يقدم تولستوي كما يريد محبي تولستوي الفنان والفيلسوف. لم أجد في تولستوي هنا سوى لحظات لا تزيد عن الخمسة دقائق بسيطة أستطيع التأكيد أن هذا هو تولستوي الذي أعرفه .. إذا كان الفيلم لا يرقى أو لم يحز على إعجابي لماذا اكتب عنه هنا ؟.. بإختصار الجواب لأنه تولستوي. الكاتب الذي أدين له بالكثير, بالمتعة الأدبية والفكرية التي قدمها لي طوال السنوات الثلاث الماضية.

    طوال مشاهدتي للفيلم كنت أريد أن اسمع كلمات تولستوي الهائلة التأثير, عن أفكاره التي أجبرت الكنيسة الأرثوذكسية على طرد تولستوي من رعايتها. ولم أجد شيئاً مع الاسف. بل انشغل منتجي الفيلم برسم مسار فرعي آخر يستطيعون من خلاله كشف ملامح تولستوي وخلافاته مع زوجته حول الأملاك والأراضي والحقوق الأدبية, وحتى هذا المسار فاشل بإمتياز إذ لم يكن له أي نتيجة تستحق الذكر.

    هناك دقيقة واحدة فقط من الفيلم كله هي التي تستحق الذكر والإشادة.هو مشهد تقبيل تولستوي للأرض قبل رحيله. ولو كان المخرج قارئاً لاعترافات تولستوي لزاد في هذا المشهد وأبدع فيه, إذ بالإمكان اختصار رحلة تولستوي إلى الله بتلك السجدة التي أعلنت تخلي تولستوي عن كل شيء, عن كل شيء. من أجل أن يعيش بسلام ورضا كامل.

    هذه القراءة موجهه بشكل رئيسي إلى مخرج الفيلم وكاتب الرواية الأحمق التي تحكي حياة تولستوي الأخيرة, وإلى أبطال الفيلم والمنتجين: هذه الصورة التي قدمتم فيها تولستوي ليس فيها شيء من تولستوي إلا مشهد السجود والنهاية الحزينة في المحطة, إن كنتم ستحاولون طبع هذه الصورة في أذهان المشاهدين فأنتم تعيشون في وهم كبير. لا يمكن أن اسمح لهذه الصورة بأن تعمر طويلاً. تولستوي الذي أعرفه, هو ما ستقرؤونه من محبي تولستوي هنا وفي أماكن أخرى.

    وأخيراً : هذه القراءة تحية محبة إلى روح تولستوي .. في مئويته الأولى.


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي


    كان رجلاً جالساً في الأعالي .. لا تنقصه أي نعمة من نعم الأرض: قصر كبيراً ومزرعة هائلة وعائلة كبيرة ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وأكثر من ثمانمائة فلاح يمتثلون لأوامره. كان جسده يفيض قوة وصحة, الفتاة التي كان قلبه يهوى إليها أتيح له أن يأخذها إلى بيته زوجة له. وانتهى عمل يديه ونفسه إلى الخلود. كان فلاحوا أراضيه ومقر إقامته ينحنون بخشوع عندما يمر أمامهم, وكذلك الأدب في أركان هذه الأرض ينحني له بخشوع أمام مجده المُسكر. وفجأة, بين عشية وضحاها ماعاد لكل هذا أي معنى. العمل يثير اشمئزازه, والزوجة تغدو غريبة بالنسبة إليه. ينهض من سريره المبعثر ويتجول كالمريض لا يقر له قرار. جيئة وذهاباً. يجلس خاملاً في النهار, يرتقي درج قصره مسرعاً من أجل أن يغلق خزانته حتى لا يأخذ البندقية ويقتل نفسه. هذه الرجل الذي كان يزرع البهجة في قلوب أعداءه قبل محبيه أصبح عصبياً لا يقر له قرار: ما علة هذه التحول المفاجئ في حياته؟

    ثمة شيء ما تمزق في روحه. لا يستطيع أن يصرف البصر عنها بعد ذلك, يتدفق الظلام في حواسه, وينطفئ لديه بريق الحياة ولونها. أصبح الضحك جامداً لديه. لا يستطيع أن يرى شيئاً بعد الآن دون أن يدرك سر ذلك اللا نهائي. في السنة الرابعة والخمسين من حياته ذات الأثر العالمي نظر تولستوي أول مرة في وجه هذا اللاشيء. تلك النظرة هي نظرة أكثر الأدباء والمفكرين الذين شهدهم عصرنا الماضي اطلاعاً وفكراً : "ماذا نقصد عندما نقول أننا نعرف؟ أعرف أنني تولستوي, ولي زوجة, وأولاد, وشائب الشعر, وقبيح الوجه, ولي لحية. وهذا كله مدون في جواز سفري. ولكنهم لا يدلفون إلى الروح في جوازات السفر! كل ما أعرفه عن روحي أنها تتوق إلى الاقتراب من الله. لكن ما هو الله ؟ هذا الذي روحي هي ذرة منه. هذا هو كل شيء! هكذا أنا أتعلق بغضن شجرة الحياة, عارفاً أن تنين الموت ينتظرني, وهو على استعداد ليمزقني ارباً ارباً. كانت فكرة الإنتحار تخطر لي في كل يوم وحين, إنني أكره الحياة ولا أريد أن أعيش! ولكن خوفي من الموت كان يضطرني إلى استنباط الحيلة ضد نفسي لكي لا أضع حداً لحياتي. كانت حياتي أضحوكة جنونية موجهة إلي من شخص لا أعرفه, ومع أنني لم أكن أعترف بوجود هذا الشخص الذي يقولون أنه خلقني, فإن النتيجة القائلة بأن هذا الشخص قد ضحك عليّ بجنون وسخرية عندما خلقني في هذا العالم كانت تظهر ليّ كأنها أصدق ما في الحياة".

    رحلة البحث عن معنى الحياة والوجود لم تكن إلا بوابة العبور لتحقيق أمنية تولستوي الكبيرة: الله. ما يدفعه للبحث عن الله ناتج من شعور قلبي, عاطفة قلبية تدفعه للبحث عنه. إذا كنت أنا موجود فلا بد من علة لوجودي, ماهي هذه العلة أو القوة؟ وما هي العلاقة التي بيني وبين الله؟ لم يجد تولستوي رغم انضمامه للفقراء إلا الجواب البسيط :"هو الخالق بارئ كل الكائنات". عادت إليه الشكوك من الجديد, وشرع يصلي بحرارة للإله, بيد أن افراطه في الصلاة لم يزده إلا ثقة بأن صلواته لم يسمعها أحد, ولذلك صرخ من أعماق قلبه واليأس يغمره لعدم مقدرته على الإهتداء إلى الإله الذي يفتش عنه :

    " يارب ارحمني وخلصني .. أيها الرب العظيم .. ياإلهي العزيز أنقذني " !


    مثل هذه الصرخات الحية صورها تولستوي كذلك في رائعته الثانية آنا كارينينا, عندما يصرخ ليفين وهو يسمع عذابات زوجته عند الولادة, وهو الملحد الغارق في الشك حتى في وجود الله نفسه يصرخ من أعماق قلبه :

    " يالله ارحمني ".

    وهو الذي لم يرفع رأسه منذ سنوات, رفعها من أجل ظهور معجزة هذا الطفل الذي لم يكن قبل ساعة في هذا الوجود. كيف ظهر هذا الطفل إلى الوجود؟ معجزة؟ نمو طبيعي في جسم الإنسان؟ حين أقرأ ليفين وهو ينتظر زوجته التي تعاني آلام الولادة يظهر لي تولستوي الكهل الكبير وهو يتساءل هذه الأسئلة التي يعرف أجوبتها من الطفولة, حين كان يرضع من ثدي أمه :

    " أليس هذا دليلاً على أن هناك أماً ولدتني؟ وأعتنت بتربيتي وأطعمتني؟ أين هي تلك الأم؟ أنني لا أستطيع أن أتعامي عن رؤية هذه الحقيقة, وهي أن كائناً أحبني وكان السبب في وجودي؟ هو - بلا شك - الله. هو موجود بالحقيقة وفي كل لحظة أعترف بوجوده, أشعر بأن حياتي قد تجددت, وإيماني بما في الوجود قد نهض من رمسه. إلا أنني لا أستطيع الإيمان بالإله المثلث الأقانيم, لقد ذاب كالجليد أمام عيني. ولكن من أين لي بالشعور الذي يعمل في قلبي ويحملني إلى البحث عن الله! هذا الشعور يختلج في أعماقي. أنني لم أعش في ما مضى من عمري إلا عندما كنت أؤمن بالله. كلما آمنت بالله أشعر بالحياة. كلما أعرضت عن هذا الإيمان أشعر بأنني ميت بالحقيقة. ما أنشده هو الكائن الذي لا تستقيم الحياة بدونه! الله هو الحياة. عش لتسعى إلى الله, لأن الحياة لا تكون بدون الله, بمثل هذا آمنت أخيراً من أعماق قلبي, فشعرت بقوة الحياة الحقيقية. ولم يفارقني هذا النور الذي أشرق على حياتي حتى اليوم! رجعت بالفكر إلى الماضي البعيد, إلى أيام شبابي, آمنت بأن واجب الحياة تقوم بسعي الإنسان ليصير أفضل مما هو عليه, ويعمل ما هو عدل في شريعة هذه الإرادة الكلية, هذه الإرادة التي لا تظهر إلا في الصلاح الذي أجمعت عليه الإنسانية. رجعت إلى الإيمان بالله, وبالكمال الأدبي, وبالتقليد الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي".

    السلام مع الله ومع الناس. بل السلام مع ألد أعدائه: الموت! انتهى ذلك الخوف القاسي, المرعب من الموت .. وانتهى على نحو لطيف. الرجل الذي بلغ من الكِبر عتياً يواجه الفناء بنظرة هادئه واستعداد حسن. الموت : أحد الثيمات المفضلة في كتابات تولستوي الأدبية. تولستوي عند تصويره للموت يستخدم كل أسلحته المرعبه لتصوير هذا الأسود القادم. أتذكر جيداً تلك الصفحات التي أفردها لموت نيقولاي في رائعة آنا كارينينا, كانت أكثر من ما يقارب ثلاثين صفحة كلها تعذيب وموت لهذا الرجل المريض بالسل, ولكن الأعنف .. الموت الحقيقي, من يريد أن يعرف الموت الحقيقي عند تولستوي عليه أن يقرأ تلك القطعة الخالدة من أدبه, عندما يصور آنا وهي تائهه, خارجة عن نطاق الوعي, تخرج من المنزل وهي تلعن عشيقها التي ضربت من أجله مجتمعها وعائلتها عرض الحائط, ثم تنظر إلى أحوال الناس في الطريق إلى محطة القطار, تضحك وتبكي على حالها, وفي الأخير, عند آخر ظهور لهذه الشخصية الجحيمية, لن تقول أكثر من : ياألله. بقدر قوة الألم في هذا التصوير: من أين لتولستوي هذه القدرة المرعبة على تصوير هذا الموت بهذا الشكل العنيف والدرامي؟

    لم يبدع تولستوي في أي عمل من أعماله الفنية على هذا المدى الطويل, وبمثل هذه الحماسة مثلما أبدع في موته الخاص. هو يريد بحكم كونه فناناً أصيلاً لا يرضى باليسير, أن ينقل إلى البشرية هذا العمل الأخير بالذات, والذي هو أكثر أعماله إنسانية على الإطلاق, نقياً لا شائبة فيه. اللحظات الأخيرة من حياة تولستوي هي أهم من كل ما كتب, بل سأقولها بكل صراحة, عند قراءتي لأعماله كنت أحبه لأنه كاتب آنا كارينينا والحرب والسلم والبعث, لأنه كاتب موت إيفان إيليتش والسيد والخادم وكيف يحيا الإنسان, أما الآن, فأنا أحب تولستوي الأخلاقي المفكر, المندفع بلا هوادة, والذي حقق حلمه بكل عزيمة وقوة.

    هذا الصراع من أجل موت نقي سيكون المعركة الحاسمة في حرب السبعين عاماً من أجل الأصالة عند هذا الذي لا سلام عنده. ولكن, ثمة عمل يجب أن ينتهي منه, ثمة عمل يجب أن يفعله حتى يرحل وهو مطمئن البال: التخلص من كل أملاكه, والتنازل عن كتاباته الأدبية لعموم الشعب. ما عاد في وسع العدو العلني لكل ملكية أن يظل مكتوف الأيدي. في عامه الثمانين يضطر إلى خوض الصراع الحاسم على أعين الناس. وهكذا تصبح ياسنايا بوليانا محجة روسيا, مسرحاً لصراع وراء الأبواب الموصدة بين تولستوي وذويه, يزداد ازدحاماً وفضاعة :" إنك تماماً كأمك العزيزة يا ساشا, تسمّين تنازلي عن أرضي لمن يزرعونها، تنازلاً عن حقوقي! ليست لي على الأرض حقوق يا ساشا! لا على الأرض! ولا على الفلاحين الذين يزرعونها! وليس هذا اعتناقاً لآراء من يسمونهم سراً البلشفيك! كلا. فهؤلاء يؤمنون بالعنف، وأنا أكره العنف! إنهم يشكّكون في وجود الله! وأنا أومن به إيماناً لا يتزعزع..!

    نصف العائلة يتجاذبون هذه الأملاك بأظافر ناشبة كالمخالب. تجسس على الأديب حتى يصل الأمر إلى محاولة انتحار الزوجة. ويفتح جحيم ياسنايا بوليانا أبوابه كما يقول تولستوي. ولكن تولستوي يجد في هذا العذاب الأقصى التصميم الأقصى في نهاية الأمر. ينبثق من أعمق أعماق شعوره تلك الفكرة إنه لا بد من ترك الزوجة والأولاد, والأملاك والأرض, سعياً وراء الكمال. يفرُّ من الثراء، والرفاهية، والرقابة المفرطة من الزوجة المحبة.. يفرّ إلى المجهول..! إنها أعجب مغامرةٍ في تاريخ الأدب العالمي. الصوت في داخله هو الصوت الأول القديم في الأسطورة: "قم, وانهض, وخذ معطفك, وعصا الترحال!".

    في صباح الثامن والعشرين من تشرين الأول 1910 م .. حين كان الليل مازال مدلهماً بين الأشجار, غادر هذا الشيخ الطاعن في السن أرضه التي تربى وعاش فيها أجمل وأقسى أيام حياته. خرج من سجن حياته, لم يعد يحتمل التجسس عليه من قبل الإنسانة التي قاسمته 48 سنة كاملة. آمن بأنه يجب أن يغادر ولا يعود أبداً, يهرب إلى أي مكان, إلى الله, إلى ذاته, إلى موته الخاص. في محطة القطار يكتب إلى زوجته التي هرب منها: " حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة. لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي. لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني. وقد طال صبري على هذا! حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر. يقيني شر اليأس من عالمٍ تشهيّته كثيراً، كما يتشهاه كل عجوزٍ بلغ السن التي بلغت! وما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام. أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً، بل سيزيد تعاستنا جميعاً، كما أنه لن يغيّر من عزمي على الرحيل، وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها. وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك. مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين. وأنصحك يا حبيبتي بإخلاص بأن تحاولي التعايش في سماحة مع الموقف الجديد الذي سينشأ برحيلي. وألا تحملي لي بسببه في قلبك أية ضغينة، أو كراهية، وإذا أردت أن تعرفي شيئاً عن أنبائي بعد أن أستقرّ في المكان الذي سأرحل إليه، والذي لا أعرفه إلا بعد أن أصل إليه، فستجدين بغيتك عند ابنتنا العزيزة ساشا، فهي وحدها التي سأخصها بذكر مكان حياتي الجديدة، وقد وعدتني بألا تذكر لك أو لسواك مكاني."

    ويتوقف في محطة أستابوفو. هذا الشيخ المصاب بمرض الموت ماعاد يستطيع المضي بالطريق. لم يكن ثمة نُزل في فندق, أو حجرة من حجرات الأمراء تؤويه .. يقدم ناظر المحطة حجرة عمله القائمة في مبنى المحطة المتمثل في بيت خشبي ذي طابق واحد. غرفة صغيرة, مفعمة بالدخان والفقر, والسرير الحديدي, وضوء الزيت الضئيل .. ابتعد عنه أخيراً الترف والرفاهية أميالاً مرة واحدة. في اللحظة الاخيرة, في المحطة الاخيرة, يغدو كل شيء كما أردات إرادته الأعمق بالضبط: نقياً لا خبث فيه. يضع الموت نفسه بصورة كاملة تحت تصرف يد الفنان, رمزاً جميلاً, وفي أيام قلائل يتطاول البنيان الرائع لهذا الموت دعماً جليلاً لنشر أفكار تولستوي. تلك الأفكار التي وقع تحت سطوتها العظيم غاندي وآمن بها وحرر شعبه من خلالها.

    ولكن مجد تولستوي لا يستطيع أن يقف موقف المتفرج, هو يقف خارجاً أمام الباب الموصد بالمرصاد, وعبثاً يتزاح المراسلون والفضوليون والرجال الشرطة والدرك والكاهن المأجور الذي أرسله المجمع الكنسي لتلقي كلمة من تولستوي, كلمة كافية لسحق تاريخ تولستوي بأكمله: الاعتراف. ولكن هذا القس المأجور لم يعرف أن المرض لم يفقد تولستوي إيمانه بما عاش من أجله, غادر وهو يتلقى كلمة تولستوي الأخيرة بوجه المأجورين أمثاله: "حين يحوم الموت حول رأسي فلا أريد أن يقتحم لقائي مع ربي أحدٌ من رجال الدين... أريد أن أقترب من خالقي في فيضٍ من نور المحبة.. وليس مع ثرثرة كهنوتية...

    في الخارج يتزاحك الناس في فضول انتظاراً لمعرفة مصير ذلك الإنسان العظيم في تلك الغرفة الحقيرة, في جزء لم يُعرف سابقا. على أنه لم يعد يشعر بهم. أمام النوافذ تتطلع زوجته التي مُنعت من مقابلته خشية الصدمة, نحوه, وقد أذلها الندم. لترى محياه عن بعد مرة أخرى, وهي التي ارتبطت به ثمانية وأربعين عاماً. غير أنه لم يعد يعرفها. تزداد أشياء الحياة غرابة على نحو مطرد عند هذا الإنسان, ويزداد سريان الدم في العروق المنهارة تعثراً وقتامة. ينهض في الليلة الاخرى ويتنهد قائلاً:" ولكن الفلاحين - كيف يموت الفلاحون ياترى؟" .. وترتد الهامة التي تلفها الألسنة المستعرة البيبض غائصة في الوسادة. وتنطفى العينان اللتان رأتا العالم رؤية أحاطت به علماً أكثر من كل ما عداهما.

    يوسف

  2. #2
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية يوسف
    عضو
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الدولة
    الرياض
    المشاركات
    45
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي رد: The Last Station .. تحية إلى تولستوي

    قد أوصف بالتناقض! ماهي فائدة كتابة قراءة عن فيلم لم يعجبني أو يحز على رضاي. وعدت نفسي بالكتابة عن الفيلم متى ما توفرت نسخة جيدة للمشاهدة. اعترف بأن تسرعي في ذلك هي غلطة ولن أكررها مرة أخرى بالتأكيد. ولكنه تولستوي هو من أجبرني على ذلك.

    رغم كل شيء, الغير عارف بقصة تولستوي بشكل كامل وأفكاره وأعماله سوف يستمتع بالفيلم. بعد الإنتهاء من مشاهدة الفيلم قبل قليل كنت أتحدث مع أحد أصدقائي المقربين جداً عن الفيلم وكيف عبث بي.. نعم عبث بي ..رغم فشل الفيلم في تقديم تولستوي كما أريد. المشهد الأخير من الفيلم اعترف بأنه أثر بي جداً, لم أتأثر حزناً أو بسبب تعاسة ذلك الموت في محطة قطار مهجورة, بل تأثرت احتراماً وتقديراً لهذا الرجل الذي حقق كل أمنياته بكل قوة وشجاعة, أو كما قال الأديب اللبناني ميخائيل نيعمة: ذلك لعمري هو الإنتصار, تلك لعمري هي العظمة!

  3. #3
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية a10d
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي رد: The Last Station .. تحية إلى تولستوي

    ربما أخي الكريم يوسف تفاجأت بالفيلم ولم ينل رضاك بسبب تصورك المسبق
    عن ما سيكون عليه وبشكل يتناسب مع عظمة الشخصية ومكانتها الأدبية والفكرية.
    وفي الحقيقة كان الفيلم موجها بالكامل نحو حياة تولستوي الاجتماعية والظروف والملابسات التي مربها
    قبيل وفاته ولم يتعرض لفكره وآراؤه ورواياته إلا بشكل قليل
    لاتجاهه كما أسلفت لشخصية تولستوي الزوج والأب والصديق
    وليس تولستوي الكاتب العظيم مما يتطلب سرد لأفكاره الموجودة في كتبه وسبق لنا الاطلاع عليها .
    في هذا الفيلم رأيت تولستوي الإنسان كما تخيلته في حياته العادية وفي تعاطيه مع من هم حوله وخصوصا زوجته التي أرغمته
    على ترك منزل الزوجية الذي دام لأكثر من 45 عاماً .

  4. #4
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية السينما ئي
    عضو
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الدولة
    الرياض
    المشاركات
    186
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: The Last Station .. تحية إلى تولستوي

    رغم أنه ليس فيلماً جميلاً إلى هذا الحد إلا أنك ظلمته أخي يوسف عندما انتظرتَ منه ما لا يحتمله عنوانه "المحطة الأخيرة".. فهو ليس سيرة حياة ولا "جردة حساب" لمجمل المنجز التولستويوي إنما وصف للحظاته الأخيرة

    **

    الفيلم ينسب نفسه للكتاب الذي وضعه جاي باريني عام 1990 لكني أراه يرتبط إلى حد التطابق مع كتاب قديم للمؤرخ ستيفان تسفايج بعنوان "ساعات القدر في تاريخ البشرية", وهو كتاب رائع جداً, يرصد اللحظات العظيمة المؤثرة التي قلبت مسار التاريخ, وقد ذكر أربعة عشر قصة, منها قصة اللحظة الأخيرة من حياة تولستوي

    ورغم التشابه الكبير.. إلا أن الفيلم قدم شيئاً مختلفاً -وجميلاً- عندما تعاطف مع زوجة تولستوي وأوجد لها العذر في كل ما قامت به, فهي في النهاية زوجة وأم تسعى لضمان مستقبل أبنائها وعدم تبديد ثروة أبيهم على مبادئ لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة لامرأة تقليدية مثلها. وما قامت به هو الأمر الطبيعي, والمتوقع, وسنظلمها كثيراً إن طلبنا منها أن تقبل مثاليات تولستوي التي لا يطيقها سوى الملائكة والأنبياء

    من هنا أرى أن الفيلم جاء لينصف زوجة تولستوي بعد أن ظلمها تاريخ الأدب

    **

    ومجدداً أقول
    يوسف.. أنت رائع أينما حللت

  5. #5
    Status
    غير متصل

    الصورة الرمزية سائق التاكسي
    مراقب عام
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    216
    معدل تقييم المستوى
    10

    افتراضي رد: The Last Station .. تحية إلى تولستوي

    للتو أنتهيت من مشاهدة هذا الفيلم..

    الفيلم مع انحصاره في الايام الاخيرة ل تولستوي الا وأنه بشكل عام يعتبر فيلم جميل
    ومع كل غَرد به الأخ يوسف في هذه المراجعة لا يوجد شيء اقوله هنا سوى أن أوجه تحية
    لهما.. شكرا من القلب على هذه الاحترافية أخ يوسف
    تقييمي الشخصي : 7/10
    :)

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. عبدالله بن بخيت يرفض السينما !!
    بواسطة شايفة وساكتة في المنتدى نقاشات عامة
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08-08-2010, 08:53 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •